فقرة من كتاب رجال في وجه النار

من لقاء و اجتماع الى لقاء و اجتماع ، من خيمة عزاء الى احتفال تكريم ، من حفل استقبال الى حفل وداع ، من مديرية الى مؤسسة الى شركة ، من نقابة الى اتحاد ، من حي الى قرية الى بلدة .

من بيت شهيد الى مقبرة الشهداء ، الى بين جريح .. من و من والى والى …

هكذا امضى الرفيق الدكتور محمد شريتح أمسن فرع حزب البعث العربي الاشتراكي باللاذقية الألف و خمسمائة يوم الأخيرة من عمره ، و عمر النار في الديار ..

قد يسأل السائل : اذن ، ومتى يتفرغ الدكتور شريتح لأسرته ، لأولاده ، لواجباته الاجتماعية ، لواجباته تجاه نفسه كانسان و طبيب و جار و قريب و صديق ، و كم ساعة يخصصها الطبيب شرتح المختص بطب الأطفال ، لتلك الواجبات و لهذه ..

و قد يجيب المجيب : لو امتد يوم الدكتور الى اربعين ساعة ، لما كانت كافية لأداء تلك الواجبات كلها … لكنه قدر الرجال ، قدر الأخيار على خط النار ، فوقته و جهده و ماله ليس ملكه ، انه ملك الحزب ، ملك الشعب و البلد كله ..

فللدكتور شريتح أسرتان ، صغرى تتألف من الزوجة و الأولاد ، و كبرى تتألف من مليوني مواطن تسكن في بيت كبير حدود هي حدود اللاذقية .

يبدو الدكتور شريتح رجلاً في الأربعينات من العمر ، لكن الله سبحانه و تعالى اتاه خبرة رجل في الثمانيات : انه كبي من غير عمر ، و أكبر بكثير من كثيرين ولدوا قبله بكثير .

لا … لا يبدو على الرجل كبر السن ، و في مقابل ذلك يبدو عليه كبر العقل و رجاجة الرأي مع كبر الحمل و ثقله ، فاللاذقية أمانة بين يديه ، و مليونا مواطن من أبناء اللاذقية و الوافدين أو المهجرين اليها أمانة ، و الرسالة الخالدة أمانة ايضاً ..

و لقد ادى الدكتور شريتح الأمانة كأحسن ما تؤدى . كان ذلك عهده منذ أن كان طبيباً ثم مديراً للصحة باللاذقية ، حيث كانت ادارته الحسنة للصحة صحة في الادارة .. مثلما غدت أمانته لفرع الحزب فيما بعد ، مثالاً للأمانة ..

لقد اتاه الله الصبر و الحكمة و الاناة ، فقاد فرع الحزب ، و قاد اللاذقية مع رفاقه في اللجنة الأمنية ، قاد الوضع السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و الاداري كله ..

و قبل ذلك الوضع العسكري و الأمني أولاً بأوله ، و ساعة بساعة طيلة الألف و خمسمائة يوم من النار .

كان الدكتور شريتح و السيد المحافظ ، اي محافظ من المحافظين الذين تعاقبوا على المحافظة طيلة سنوات الأزمة ، كانا كعينين في الوجه ، كجناحي طائر ، ككتفي ميزان .

طائر ينطلق من على شاطىء البحر ، من الكورنيش الغربي ، حيث مقر قيادة الفرع و مقر المحافظة ، متنقلاً من قمة الى اخرى ، من ضفة نهر الى ضفة أخرى ما بين نهر السن جنوباً و جبل الأقرع شمالاً ، ما بين ابن أم هاني غرباً و الشعراني في الشرق .. ما بين البحر و الضهر كما يقولون ..

لقد منح بياض وجهه و اسراقة الأمل في عينيه ، الكثير من الأمل ببياض الغدىو الصباح التالي ، و جلاء السواد عن وجه اللاذقية و البلاد و عن الأجساد .. و طالما استمد الناس منه جرعات التفاؤل مثلما كان المرضى يستمدون من وصفاته الشفاء و العافية .

كانت كلماته رصاصات في اذان و عيون و صدور الأعداء ، عبر أثير الاذاعة او عبر سلك او اللاسلك ، عبر الصوت او الصورة ، او مباشرة وجهاً لوجه ..

كانت حنجرته تصدح بالعبارات و الشعارات التي تشنف الاذان و تلهم الحضور و تلهب أكفهم ، و تعلي قبضاتهم للعلى .

كانت خطاباته في كل المطارح و الساحات و القاعات . و على كل المنابر تقر العيون و تشرح الصدور بما فيها من الوعود الصادقة بالنصر المأول ، و الامال الصادقة بالنصر الموعود .

محمد شريتح ، اكثر من طبيب ، و اكثر من رفيق ، و اكثر من مواطن ..

كان اسماً من برد و سلام حل على اللاذقية طيلة سنوات النار ..

و كان من أوائل الرجال الأخيار .

Normal
0

false
false
false

EN-US
X-NONE
AR-SA

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Table Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt;
mso-para-margin-top:0in;
mso-para-margin-right:0in;
mso-para-margin-bottom:8.0pt;
mso-para-margin-left:0in;
line-height:107%;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;}

بقلم الكاتب حيدر نعيسة

Normal
0

false
false
false

EN-US
X-NONE
AR-SA

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Table Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt;
mso-para-margin-top:0in;
mso-para-margin-right:0in;
mso-para-margin-bottom:8.0pt;
mso-para-margin-left:0in;
line-height:107%;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;}

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *