الجلاء والجولان وعزم لا يلين .. بقلم : د.تركي صقر


تأتي ذكرى الجلاء هذا العام مصحوبة بفرحتين ومشحونة بغضتين فالفرحة الأولى هي تحرير غالبية الجغرافيا السورية من رجس الإرهابيين واشتداد العزم والعزيمة لإكمال تحرير ادلب وما تبقى من بؤر إرهابية حتى آخر شبر من ارض الوطن والفرحة الثانية هي عودة المهابة والمعافاة للدولة السورية ومؤسساتها والتفاف المواطنين حولهما وشغف جامح لدى  كل نازح أو لاجئ أبعدته الحرب العدوانية التكفيرية بالعودة إلى بلاده اليوم قبل الغد موقنا أن ما جرى كان مخططا شيطانيا أمريكيا صهيونيا لتدمير الوطن السوري وتمزيقه إربا وليس ثورة ولا من يحزنون .

أما الغصتان فهما الأولى : بقاء الجولان العزيز الغالي يرزح تحت الاحتلال الإسرائيلي الغاشم واتخاذ الرئيس الأرعن دونالد ترامب قراره الوقح بالاعتراف بضم الجولان بغد اعترافه السافل بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ويبدو أن الحبل على الجرار حيث  لا غرابة أن تكون الخطوة القادمة الاعتراف بالضفة الغربية على المنوال ذاته ولا ندري من نصب هذا الافاك وصيا على أملاك الآخرين ليتصرف بها على طريقة جده سيئ الصيت آرثر جيمس بلفور بإعطاء من لا يملك إلى من يعتدي ويغتصب والغصة الثانية :  تكمن في تمكن أطراف العدوان حتى الآن من حرمان السوريين من قطف ثمار انتصاراتهم وتضحياتهم طوال السنوات  الثماني الماضية بل وفتح نيران حرب جديدة عليهم هي الحرب الاقتصادية الشعواء التي وصلت إلى حد فرض حصار يمنع وصول بواخر الغذاء والدواء و بشكل خاص المشتقات النفطية لمنع سورية من الخروج من أزمة الكهرباء الخانقة .     

 ومع ذلك فان صمود السوريين  وصبرهم لا حدود لهما وهم  يرون  أن الجلاء بعد ثلاثة وسبعين عاما مضى أعطاهم زخما وجدانيا عاليا في الحرص على وحدة تراب وطنهم وان معركتهم في القضاء على الإرهاب والإرهابيين امتداد لمعارك الجلاء وأن دروسه  ما زالت ساكنة  في أعماق  كل سوري، ويتذكرون أن مدرسة الجلاء رسخت أساسات متينة للوحدة الوطنية ، ويتذكرون فوق هذا وذاك وهو الأهم  انه يوم هب السوريون جميعاً لنصرة بلدهم آنذاك لم يكن في بال أحد منهم أن يسأل عن طائفة أو دين أو مذهب أو انتماء مهما صغر أو كبر، ويومها كان السوريون جميعاً صفاً واحداً وفي خندق واحد، لمواجهة جبروت الاستعمار فوحدوا قواهم ورصوا الصفوف وشدوا العزيمة وكان قراراهم الوحيد أن لا مكان للمستعمر على هذه الأرض الطاهرة، فكان لهم ما أرادوا وحققوا نصراً تاريخياً سُجل بأحرف  من نور .

عيون السوريين في يوم الجلاء الأغر شاخصة إلى انتصارات أبطال جيشنا المتواصلة  وبأمل كبير لطي صفحة  الفصل الأخير من الحرب الوحشية المفروضة عليهم منذ ثماني سنوات ، وهم  رغم الغيوم الداكنة وواقع الحال المرير الذي خلفته الحرب العدوانية التكفيرية يتذكرون صفحات جميلة وبطولية وناصعة في تاريخهم  وبقدر ما تثير هذه  الصفحات وكلمة الجلاء بحد ذاتها من عودة إلى حنين ماضٍ مجيد ، فإنها تذكر كل سوري أينما كان  باستقلال سورية، وخروج القوات الأجنبية من آخر شبر وتذكر بأمر جوهري وعميق  وغاية في الأهمية  أن هذا المنجز الوطني العظيم قد ساهم فيه أبناء الوطن السوري جميعهم دون استثناء ، بغض النظر عن اختلاف معتقداتهم الدينية والطائفية والسياسية والفكرية، أو انتماءاتهم العرقية، أو شرائحهم الاجتماعية وهذا موضع اعتزاز وفخر دائمين .

ولاغرو أن  يستذكر السوريون في ظل تكالب الطامعين بأرضهم من أتراك في الشمال وأمريكان في الشرق وإسرائيليين في الجنوب كفاحهم الذي صنع الجلاء في وطن الجلاء الأول والاستقلال الأول  في البلاد العربية أنهم  كانوا ببساطة سوريين يصنعون وطناً، وضعوا أيديهم بأيدي بعض وصنعوا الجلاء وطردوا المستعمر الفرنسي  من أرضهم ونسفوا  كل مشاريع التقسيم المناطقي أو المذهبي التي خرج بها عليهم ذلك المستعمر اللئيم وهم اليوم ليسوا اقل عزما وعزيمة لاستكمال تحرير باقي الأرض السورية واستعادة جولانهم العزيز ومسح قرار ترامب وأحلام نتنياهو وأطماعه بأحذيتهم .

ومن حيث لا يدري ترامب وربيبه نتنياهو فان ما قاما به من استفزاز بالإعلان عن ضم الجولان خلافا لكل قوانين الدنيا وشرائع الأرض عاد ويعود عليهم بالخيبة والخذلان فقد كسب الجولان معركة الإجماع العربي والدولي  في تثبيت ارتباطه بالوطن الأم سورية كجزء لا يتجزأ منها ولاقى قرار ترامب الأخرق  رفضا قاطعا  حتى من اقرب حلفائه الأوربيين الذين أكدوا  على قرارات الشرعية الدولية وعدم تأييدهم لأي تغيير في هوية الجولان  وانتمائه لسوريته .

في ذكرى الجلاء تتجدد الهمم وتشحذ العزائم وتستيقظ كل معاني الرجولة والفداء لاستكمال مسيرة التحرير مهما كانت التضحيات وجلال هذه  الذكرى أنها عصية على النسيان وخالدة خلود الأرض وهي ملهم الأجيال تعلمهم العنفوان والإباء ومواجهة التحديات مهما عظمت في سبيل أن تبقى سورية ارض العز والمجد موحدة وعصية على التجزئة والتقسيم والقطع والتفتيت ومثلما لم تستطيع الحرب العدوانية الإرهابية بكل وحشيتها  أن تكسر إرادة  السوريين أو تضعف من صلابتهم أو تسلبهم روح الجلاء فان كل قرارات الطغاة والمحتلين لن تغير شعرة ولا قيد أنملة من تصميم السوريين على تحقيق الجلاء الأكبر الذي يبقى رهنا بتحرير الجولان وكل ذرة من تراب الوطن .    

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *