لا مكان للفقراء في رمضان دمشق


خاص – فاطمة عمراني

تبدل وجه رمضان مرات عديدة منذ بداية الحرب السورية، فلم تعد كلمة “الكريم” التي لطالما لازمت كلمة “رمضان”، هي الأنسب للتعبير عن حال السوريين هذا العام.

فهذا العام، تزداد وتيرة العمليات الحسابية لدى محدودي الدخل الذين أجبرهم تدني دخلهم على التخلي عن الأصناف المختلفة التي كانت تزين موائدهم قبل الحرب، ما أفقد أيام رمضان بهجتها لدى الكثيرين.

ومع انتصاف الشهر المبارك، يبدو أن القدرة المعيشية للمواطنين قد باتت في الحضيض، حيث لم يعد بإمكان السوريين عد الضربات الموجعة التي تلقتها جيوبهم بسبب ارتفاع الأسعار الجنوني الذي طال جميع السلع الغذائية والتموينية في مطلع شهر رمضان، والذي دفعهم، بطبيعة الحال، لإعلان “إفلاسهم” منذ أيامه الأولى.


وتخلى السوريون عن الأطباق التقليدية التي لطالما كانت مصدر بهجة في رمضان، مكتفين بنوع أو اثنين على الأكثر في وجبات الإفطار، و”الحواضر” المؤلفة من بعض أطباق الجبنة واللبنة والزعتر في وجبة السحور، والتي لم تسلم هي الأخرى من التضخم الجنوني للأسعار حيث تجاوز سعر كيلو الجبنة 2400 ليرة، وكيلو اللبنة ذات النوعية الجيدة 1500 ليرة.

وغادرت أطباق الكبب والبرك والسلطات والمقبلات موائد السوريين الواحدة تلو الأخرى، كما اختفت أطباق الحلويات والفواكه، واقتصرت العصائر الرمضانية كالجلاب والعرقسوس والتمر الهندي على نوع واحد فقط في اليوم لدى أغلب الأسر.

أما اللحوم بالنسبة لمحدودي الدخل، فقد نسيوا طعمها منذ زمن، ففي حين يتراوح اليوم سعر كيلو لحم الضأن ما بين 6000 إلى 7500 ليرة (مرتفعاً عن 450 ليرة في عام 2011)، يتعين على الموظف أن يدفع ما يقارب ربع معاشه لشراء كيلو لحم واحد!!

التبريرات الحكومية كانت بمثابة “عذر أقبح من ذنب”، ومرة أخرى كان المواطن “حمال الأسية” لتعتبره الجهات المعنية المسبب الرئيسي لارتفاع الأسعار في الأسواق، حيث أكد معاون وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، جمال شعيب، أن من العادات التي على ما يبدو من الصعوبة بمكان إقناع السوريين بالتخلي عنها، هي إقبالهم على شراء كميات كبيرة من حاجيات رمضان قبيل أيام قليلة من قدوم الشهر الكريم، وهذا بالتالي يؤثر في العرض والطلب ما يسبب في كثير من الأحيان ارتفاعاً في الأسعار، ما يلبث أن يعود إلى ما كان عليه بعد مرور الأسبوع الأول من رمضان.

وشهد الاقتصاد السوري معدلات تضخم عالية خلال سنوات الحرب أثرت على كل مناحي الحياة، وبحسب أحدث تقارير المكتب المركزي للإحصاء لقياس التضخم على مستوى معيشة الأفراد والأسر، بلغت نسبة التضخم لشهر أيار في عام 2018 نحو 788.8 %، باعتبار أن سنة الأساس هي 2010 وتقاس عليها سلة المستهلك وفق بيانات المركزي للإحصاء.

ولعل أكثر ما يحزن السوريين منذ بدء الحرب، هو اضطرارهم للتخلي عن التقليد الرمضاني الأشهر “السكبة”، والذي كان من خلاله الأقارب والجيران يتبادلون بعض الأطعمة قبل آذان المغرب أو الفجر، وبغض النظر عن التغيرات التي طرأت على هذا الطبق، إلا أنه ما يزال كفيلًا بنشر رسائل الحب والسلام بين السوريين حتى وإن كان طبقًا يحوي طعاماً بسيطاً.

لكن بالرغم من الظروف المعيشية الصعبة التي تضيق الخناق على عنق السوريين، إلا أن شهر رمضان سيبقى كريماً، ولو كان كرمه ببسمة ترتسم على الشفاه عند سماع مدفع رمضان أو صوت “المسحر”.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *