هل انتهى شهر العسل السُّوريّ لإيران وروسيا؟” معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيليّ INSS


أ. تحسين الحلبي

تحميل المادة

يرى الباحثان إيلداد شابيط وسيما شاين أنَّ الولايات المتحدة وإيران تديران المجابهة بينهما في ميدانين: تمسك الإدارة الأميركية باستخدام سياسة أقصى الضغوط على النظام الإيرانيّ، مقابل تبني إيران لسياسة جديدة بديلة عن الصبر الذي عبرت عنه حتى الآن، لكي تبيّن للولايات المتحدة وتحديداً للدول الأخرى الموقعة على الاتفاق النوويّ، وبخاصة الأوروبية منها الثمن المتوقع لاستمرار العقوبات، وفي المحاولات التي تجري لمنع تدهور الوضع بعد التوتر  الذي تطور في الآونة الأخيرة في الخليج تُبذل جهود لتحديد قنوات حوار بين واشنطن وطهران، وفي الوقت الراهن وبافتراض أنَّ إيران ليست معنية بتصعيد الأوضاع، من الممكن أن نشهد واحداً من السيناريوهات  الثلاثة الرئيسة  الآتية:
استمرار التآكل التدريجي والحذر في عملية الالتزامات الإيرانيّة التي يفرضها الاتفاق النووي (مع مرور الوقت)، أو قيام إيران بانسحاب سريع من هذه الالتزامات؛ بل وانسحابها أيضاً من تنفيذ البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة النووية، والقيام بتخفيض كبير في التعاون مع الوكالة، أو فتح مفاوضات جديدة مع إدارة ترامب. فرغم التوتر السائد، إلا أنَّ الانطباع هو أنَّ الطرفين الأميركي والإيراني غير معنيين بتدهور الوضع، وينبغي على “إسرائيل” أن تأخذ بالحسبان وجود ثغرات محتملة بين مصلحتها والمصلحة الأميركية، وكذلك لأن مساحة المناورة الأميركية أكثر اتساعاً من مساحة المناورة الإسرائيليّة، ولأن الأهداف التي يريد الرئيس ترامب تحقيقها في كل سيناريو من السيناريوهات الثلاثة، وخصوصاً إذا جرى فتح مفاوضات ستكون مختلفة عن الأهداف التي تريد “إسرائيل” تحقيقها.
ويبين البحثان أنَّ المجابهة بين الولايات المتحدة وإيران تجري عمليّاً في ميدانين متقابلين:
الأول: استعراض القوة ومحاولة الردع، فقد استمرت الإدارة الأميركية بالتمسك بسياسة استخدام أقصى درجات الضغط على إيران، ومازالت إدارة ترامب تتخذ المزيد من العقوبات (شملت بالآونة الأخيرة صناعة البتروكيماويات)، كما تواصل ممارسة الضغوط على عدد من الدول لفرض هذه العقوبات الجديدة، وبالمقابل بعثت إدارة ترامب رسائل تحذير لإيران، بواسطة تعزيز القوات البحرية والجوية الأميركية في منطقة الخليج وردّت إيران من جانبها بالاستعداد إلى تخفيض درجة التزاماتها في الاتفاق النووي بحيث تقوم في المرحلة الأولى بزيادة التخصيب إلى درجة أعلى بنسبة 20% ثم بتقليص درجة التعاون في عملية تحويل الماء الثقيل في مفاعل “آراك”.
كما أشارت إيران بشكل مباشر بالمقابل ودون تحمل مسؤولية علنية وبمساعدة حلفائها بالتأكيد إلى قدرتها على شنِّ حرب استنزاف بواسطة عملية تخريب ناقلات النفط في ميناء الفجيرة، وضرب البنية التحتية لاستخراج النفط التابعة لشركة أرامكو داخل أراضي المملكة العربية السعودية، وكان جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي قد وعد بأن يقدم لمجلس الأمن الدولي البراهين التي تدل على مسؤولية إيران في عمليات التخريب هذه، لكن الإمارات المتحدة والسعودية والنرويج وهي الدول التي تضررت ناقلاتها اكتفت بالإشارة إلى إيران دون ذكرها ودون التطرق للبراهين.
وفي تحليلنا للبحث نرى أنه من الطبيعيّ للقيادة السياسيّة والعسكريّة والاستخباراتيّة الإسرائيليّة، أن تبحث بعد إحباط أهدافها ضد سورية في السنوات الثماني الماضية واستمرار “إسرائيل” في مجابهة سورية بالوسائل العسكريّة والسياسيّة كافةً البحث عن كل وسيلة أو طريقة تؤدي إلى إضعاف سورية ومحاولة الاستفراد بها لفرض أهدافها نفسها التي فشلت في تحقيقها. ولأن “إسرائيل” تعد  التحالف السوري – الروسي – الإيراني  أحد مصادر القوة  الاستراتيجية لسورية في تصديها للحرب الإرهابية، وما زال يشكل مصدر قوة متصاعدة لسورية بعد هزيمة الإرهاب وحلفائه،  فلا بدّ لها من البحث عن أي ثغرة تدخل منها إلى جدار هذا التحالف لهدمه أو تفتيت بنيانه، ولذلك  تحاول تسليط الضوء في مثل هذه الأبحاث على زعزعة الثقة به  والمبالغة في تصوير بعض الاختلافات الواردة بين أطرافه حتى قبل ظهور استحقاقات مصالحه المشتركة لكل أطرافه، ولهذا السبب تعرض  في مختلف مراكز أبحاثها وفي  مختلف خطاباتها ورسائلها الإعلامية والصحافيّة وجهات نظر تشكك  بحقيقة المصالح العريضة والأهداف المشتركة  التي استند إليها في السياسة العسكرية والدبلوماسية للمواجهة وتحقيق الأهداف.
ومع ذلك يبدو أن التطورات المتسارعة في المنطقة وزيادة التهديدات الأميركية بشنّ حربٍ أميركية أو أميركية بريطانية مشتركة من المرجح أن تبقى على جدول العمل دون إشعال فتيلها، والبدء بساعة الصفر لتنفيذها؛ ذلك للاحتمالات الآتية:
1.إدارة ترامب ستحاول استنفاد كل الطرق لتجنب حرب كهذه وحدها، أو دون دعم أوروبي واضح للمشاركة فيها.
2.إن ميزان القوى الموجود على الواقع الآن بين أميركا وروسيا وحلفائها من إيران إلى الصين في المنطقة يميل إلى نوع من التوازن الحرج لمصلحة إيران وروسيا إن لم يكن شبه متساوٍ في مجمل القدرات العسكرية والنووية.
إنَّ شنّ حربٍ أميركية مباشرة على إيران يعني أنَّ الإدارة الأميركية تخلت عن استراتيجية توظيف الدول الأخرى بحروب كهذه والاستفادة منها في بيع الأسلحة وفي النتائج التدميرية التي تتسبب بها للجانبين.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *