صندوق النقد الدولي أو “غودو”… مَن الأفضل لإنقاذ الوضع الاقتصادي في لبنان؟

الكاتب: صائب الزين – النهار

صندوق النقد الدولي هو الحل الأفضل للبنان، لأن انتظار “غودو” سيطول ويطول في حين أن الوقت يداهمنا في مواجهة هذا التوقف الاقتصادي المفاجئ (Sudden Stop) الذي يعاني منه لبنان راهناً. وانطلاقاً من تجربتي، تُعلّل ثلاثة أسباب رئيسية الحاجة إلى صندوق النقد الدولي. أولاً، ليست للبنان، على ما يبدو، خطة مقترَحة للخروج من المأزق الاقتصادي الراهن. ثانياً، تفتقر البلاد إلى الآلية والخبرات الضرورية لتطبيق إجراءات من أجل تحقيق المعافاة الاقتصادية. ثالثاً، سوف يُضفي صندوق النقد الدولي صدقيةً على عملية النهوض الاقتصادي بما يساهم في تعزيز حظوظها بالنجاح.
لقد صرّح المسؤولون اللبنانيون أن ودائعنا بأمان، وعملتنا الوطنية تحت السيطرة، وأنه يجري العمل على إيجاد معالجات للعجز المالي. وأشاروا إلى أننا نمرّ بأوقات عصيبة جداً، وأنه سوف تتم تلبية مطالب المتظاهرين. لكنني أيقنتُ، على مدار الأعوام الثلاثين الماضية، أن المسؤولين في لبنان متمرسون في إطلاق الوعود وتبشيرنا بـ”غودو” الذي لن يظهر أبداً.
فكيف هي إذاً الأوضاع الاقتصادية في المرحلة الراهنة؟ لقد انخفضت قيمة الليرة اللبنانية بنسبة 20 في المئة في السوق الحرة والمفتوحة، وباتت ودائعنا بالدولار الأميركي مقيّدة وغير متاحة لسحبها بحرية تامة، ويكاد يتعذّر علينا تحويل أموال إلى خارج لبنان، وخُفِّضت التسهيلات الائتمانية أو أُلغَيت، وعمدت المصارف إلى خفض حجم القروض التي تمنحها للقطاع الخاص اعتباراً من مطلع عام 2019، وصولاً إلى التوقف عن إعطاء القروض بمعظم أنواعها قبل أسابيع قليلة. وهذا الوضع ينطوي على مخاطر جمّة ويُسمّى، في اللغة الاقتصادية، التوقف الاقتصادي المفاجئ Sudden Stop. والمقصود بذلك هو توقّف فجائي في النشاط الاقتصادي، فمعظم الشركات والأفراد يقترضون عادةً لتمويل عملياتهم اليومية ونفقاتهم واستثماراتهم، وفجأةً خُفِّضت خطوطهم الائتمانية أو أُلغَيت. ونظراً إلى الأثر النقدي المضاعَف لهذا التوقف المفاجئ في القروض المصرفية، يُتوقَّع أن يُفضي ذلك إلى انكماش كبير في الاقتصاد اللبناني في غضون شهر إلى اثنَي عشر شهراً. وهذا بدوره قد يؤدّي إلى ارتفاع في نسبة البطالة في القطاع الخاص، وتراجع حاد في الإنفاق على الاستثمار والاستهلاك، وزيادة كبيرة في نسبة القروض المتعثّرة لدى المصارف، وهبوط في أسعار العقارات، وكذلك إلى مزيد من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية، وارتفاع في مستويات الفقر.
مع أن المسؤولين في لبنان يأملون بأن الأمور سوف تتحسن بعد انقضاء المرحلة العصيبة، لا نرى أياً منهم يبادر إلى وضع استراتيجيات للتعامل مع الأوضاع الاقتصادية الشديدة الخطورة، واستنباط السبل الكفيلة بالانتقال من الوضع الراهن إلى المرحلة المقبلة. وسوف يستمر المسؤولون، على عادتهم، في تقاذف كرة النار. فهم يطلقون وعوداً بأن الحكومة العتيدة سوف تعمل على معالجة الأوضاع، ولكنها ستجد صعوبة كبيرة في تحقيق الإنقاذ بمفردها نظراً إلى خطورة الأوضاع الاقتصادية وتعقيداتها.
الاستراتيجيا المجدية الوحيدة، في رأيي، هي الطلب من مؤسسة موثوقة ومتمرسة ومهنية قيادة وتنظيم العملية الصعبة الضرورية لإعادة هيكلة الاقتصاد وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية اللازمة بدعمٍ من مجلس النواب الحالي والشعب اللبناني. وهذه المهمة الفائقة الصعوبة تندرج ضمن إطار عمل صندوق النقد الدولي ونطاق خبراته. في هذا السياق، يوجّه عددٌ كبير من السياسيين والخبراء الماليين في القطاعَين العام والخاص انتقادات إلى صندوق النقد الدولي من دون مبررات فعلية. بعض هذه الانتقادات مردّه إلى اعتبارات سياسية، وبعضها ينطلق، عن حق، من الخشية من المشقّات الاقتصادية التي يمكن أن تترتب عن تطبيق إصلاحات هيكلية صعبة. والسبب الأساسي خلف الانتقادات السلبية هو خوف المسؤولين من فقدان سيطرتهم على الأوضاع السياسية والاقتصادية.
من وجهة نظر جيوسياسية، لقد عمل صندوق النقد الدولي عن كثب وبنجاح مع عدد كبير من البلدان في المنطقة بما في ذلك إيران والسعودية وكلتاهما على طرفَي نقيض من المشهد السياسي. وفي مختلف الأحوال، مجلس الوزراء ومجلس النواب هما الجهتان المخوّلتان اتخاذ القرار بشأن الاستعانة ببرنامج صادر عن صندوق النقد الدولي، والموافقة تالياً على تنفيذه والإشراف على دقّة هذا التنفيذ. وكلما تأخرنا في إطلاق عجلة الإصلاحات، ازداد تطبيقها صعوبةً سواءً بوجود برنامج لصندوق النقد الدولي أو من دونه. إنه واقعٌ مفروضٌ علينا وينبغي مواجهته بمختلف سيناريواته. لسوء الحظ، لا خيار أمامنا؛ ولا مفر من تطبيق الإصلاحات الصعبة والقاسية، وكلما استعجلنا تطبيقها كان ذلك أفضل وأقل صعوبة.
ولعل المثل الأفضل الذي يمكن التوقف عنده في هذا السياق هو النموذج المصري. ففي عام 2015، عانت مصر من أوضاع اقتصادية متردّية وضاغطة جداً، مع تخطّي نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي 120 في المئة، والشح في احتياطي العملات الأجنبية لدى المصرف المركزي والذي انخفض إلى درجة أنه لم يعد يكفي سوى لتغطية قيمة الواردات لمدّة شهر أو شهرَين فقط، فضلاً عن الحفاظ بطريقة مصطنعة على ثبات سعر الصرف عند مستوى مرتفع، وفرض قيود على التحويلات النقدية إلى خارج البلاد، وحصر التداول بالعملات الأجنبية في السوق السوداء فقط، وفرض سقف للبطاقات الائتمانية، وتسجيل عجز بنسبة 8 في المئة في الحساب الجاري، وعجز مالي بنسبة 12 في المئة، وتراجع معدل النمو الاقتصادي، وارتفاع نسبة البطالة. ويُضاف إلى ذلك قيام وكالات التصنيف الدولية بخفض التصنيف الائتماني للبلاد من BB+ إلى B- في غضون سنوات قليلة، وتعرُّض أسعار السندات لضغوط شديدة، ولجوء المستثمرين الخارجيين إلى سحب استثمارات بقيمة مليارات الدولارات من البلاد، واندلاع انتفاضات واحتجاجات اجتماعية. وقد عمدت الدول الصديقة لمصر، على غرار السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر وتركيا، إلى تحويل مليارات الدولارات إلى المصرف المركزي والحكومة المصرية دعماً للاقتصاد المصري. ولكن ذلك لم يكن كافياً لاستتباب الأوضاع، إذ إن مصر لم تُطوّر آنذاك برنامجاً موثوقاً للإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة من أجل معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية العسيرة، مثلاً من خلال تحرير سعر الصرف، وإصلاح الدعم الحكومي لبعض السلع الأساسية، ومكافحة الفساد، وزيادة الإيرادات الضريبية، وإنشاء شبكة أمان اجتماعي، إلخ. وقد عجزت الحكومات المصرية المتعاقبة عن وضع برنامج شامل وتنفيذه، نظراً إلى افتقارها إلى الخبرة الضرورية.
أخيراً، وبعد تردّدٍ استمر سنوات طويلة، قررت الحكومة المصرية الاستعانة بصندوق النقد الدولي لتصويب المسار. اليوم، وبعد ثلاث سنوات ونصف السنة فقط على قرار اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، دخلت مصر في مرحلة جديدة اقتصادياً حيث تسلك البلاد مساراً تصاعدياً مع بلوغ النمو أكثر من 5,5 في المئة، وتقف أيضاً على عتبة تحقيق نشاط اقتصادي إيجابي ومستدام. يتوافر الدولار الأميركي بكميات كبيرة، ولم تعد هناك سوق سوداء للعملات الأجنبية. لقد أُزيلت القيود على التحويلات النقدية، وشهدت البلاد تراجعاً في نسبة البطالة، وكذلك تحسّنت قيمة الجنيه المصري الذي بلغ أعلى مستوياته منذ ثلاث سنوات (بعد تراجع قيمته قبل ثلاث سنوات). ويُسجّل التضخم تراجعاً كبيراً مع انخفاضه إلى ما دون العشرة في المئة، ويبلغ احتياطي المصرف المركزي أعلى مستوياته على الإطلاق، فضلاً عن الانخفاض الشديد في أسعار الفوائد، وزيادة الاستثمارات الخارجية، وتراجع العجز المالي الحكومي والعجز في الحساب الجاري إلى النصف (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) مع تسجيل فوائض في ميزان المدفوعات. وفي هذا الإطار، تعمد وكالات التصنيف الدولية إلى تحسين التصنيف الائتماني للدولة المصرية. وتجدر الإشارة إلى أن البرنامج صُمِّم ونُفِّذ بطريقة تهدف إلى الحد من أثره على الشرائح الأكثر فقراً في مصر، وكان شعاره العمل على إنشاء “شبكة أمان اجتماعي” يُفيد منها المصريون الأشد فقراً، وتمّ ذلك كلّه بالاتفاق مع السلطات المصرية وفي إطار من التعاون الوثيق معها، وكذلك بالتنسيق معها لتنفيذ مندرجات البرنامج.
إذاً فلنبادر إلى اتخاذ القرار الصعب والإقرار بأنه ليس بمقدورنا معالجة الأوضاع الاقتصادية من تلقاء أنفسنا، ولنعمل حالاً على طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي لمعالجة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عن إخفاقاتنا، والحد من الخسائر وتوزيعها بطريقة منصفة بين مختلف الأفرقاء المعنيين. بإمكان مجلس النواب و/ أو المصرف المركزي المبادرة حالاً إلى السير بهذه الخطوة بغية العمل على معالجة الأوضاع المزرية التي بلغناها، بدلاً من ترك الأزمة مشرَّعة على المجهول في غياب قيادةٍ تأخذ الأمور على عاتقها لإيجاد الحلول المناسبة فيما يتلهّى المسؤولون بتقاذف اللوم، ويختبئون في شرنقتهم، ويطلبون مرةً أخرى من اللبنانيين انتظار “غودو” الذي لن يأتي أبداً.
رجاءً تحلّوا بالمسؤولية لمرةٍ واحدة في حياتكم السياسية، فملايين الأشخاص يرتبط مصير أرزاقهم بما ستفعلونه اليوم.
خبير في الأسواق الناشئة

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *