ندفع أو لا ندفع.. ما هي عواقب عدم تسديد الـيوروبونـد؟

الكاتب: احمد مكي – الديار

في أول خطوة من نوعها منذ 30 سنة، منذ ان بدأ لبنان بالاستدانة من الداخل والخارج يستحق على لبنان دفع سندات يوروبوند او دفع سندات ديون داخلية على الدولة اللبنانية، ولأول مرة يظهر التخبط داخل الدولة اللبنانية بشأن دفع سندات اليورو بوند التي تزيد عن ملياري دولار ومع ان الانباء ذكرت ان حاكم مصرف لبنان استطاع تأخير دفع الديون ونقلها الى «swap» أي الى مرحلة جديدة لمدة ثلاث سنوات، فان عدم دفع لبنان لهذه السندات هو شبه اعلان افلاس الدولة اللبنانية لعدم قدرتها على دفع ديونها او جزء بسيط من ديونها التي عليها ان تسددها للمصارف والمجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي وخاصة الشركات المالية العالمية.

صحيح ان صندوق النقد الدولي يريد مساعدة لبنان وصحيح ان البنك الدولي يدعم لبنان وصحيح ان الاتحاد الأوروبي يدعم لبنان، ولكن كل ذلك حتى الان بيانات وليست أفعالاً بتقديم قروض طويلة المدى لمدة عشرين سنة كما حصل مع اليونان منذ 8 سنوات او كما حصل مع إيطاليا منذ 14 سنة وكما حصل مع دول أخرى عندما تم تقديم مبالغ بقيمة 50 مليار دولار بفائدة 1 أو 2%، لكن البنك الدولي والصندوق الدولي لم يصدرا الا بيانات ولم يتخذا الا مواقف مبدئية بدعم لبنان.
اما في الداخل اللبناني بالرغم من 26 سنة من القول بان الليرة اللبنانية لن تهتز فإن الدولار ارتفع 900 ليرة او 800 ليرة عندما ارتفعت قيمة الدولار من 1500 ليرة للدولار الواحد الى 2300 و2400 ليرة لبنانية للدولار الواحد، وهذا يعني عندما يرتفع الدولار تجاه العملة الوطنية وتسقط العملة الوطنية بنسبة 50% فإن الغلاء سيرتفع بشكل كبير لأن لبنان بلد مستورد وغير منتج وهو ليس قويا على مستوى الزراعة ولا على مستوى الصناعة ولا على مستوى الخدمات الهامة، لذلك فإن كل البضائع سترتفع أسعارها وارتفاع سعر الدولار على الليرة بنسبة 50% أي 800 او 900 ليرة سيرفع أسعار البضائع وبالتالي فأن كل موظف او عامل على الساحة اللبنانية سيجد نفسه انه خسرة نصف راتبه لان الأسعار سترتفع 50% نتيجة ارتفاع الدولار 50% على الليرة اللبنانية، بالتالي لبنان يسير نحو شبه الانهيار على مستوى الوضع المعيشي وشراء الأغراض والمأكولات والحاجات الاستهلاكية، وكل شيء لان الاستيراد يجري بالدولار او باليورو وهو الامر ذاته، بالتالي فان ارتفاع الأسعار يعني ان المواطن سيخسر من قيمة قوته الشرائية للبضائع 50% عما كان يدفعه سابقا وهذا سيجعل الفقر ينتشر، ويصبح في لبنان نسبة تزيد عن 90% في حالة الفقر الحقيقي وكون الزراعة لا تنتج الكميات التي يحتاجها لبنان لأن مصاريفها بكلفة عالية نتيجة استيراد المواد الكيميائية ومعدات الزراعة وذلك يعني ان المواد الزراعية سترتفع أسعارها اما على صعيد الصناعة فالصناعة اللبنانية هي صناعة خفيفة وليست صناعة ثقيلة وكل ما تقوم به هو استيراد مواد من الخارج وتقوم بتصنيعه في لبنان وهذا يعني ارتفاع أسعار البضائع الصناعية، إضافة الى ان الغسالات والبرادات والمواد الكهربائية ومستلزمات المنازل سترتفع أسعارها 50% وبالتالي فإن حالة الفقر الفعلية ستظهر خلال 6 اشهر القادمة.
على صعيد الدولة اللبنانية ستقف لأول مرة في موقف الدولة التي لا تدفع ديونها او الأقساط التي عليها من أقساط ديونها، وعندما لا تدفع الدولة أقساطاً من ديونها يعني ذلك انها دخلت مرحلة الانهيار المالي وشبه الإفلاس قبل الإفلاس الحقيقي والكامل وبالتالي فلا يجوز الا ان تدفع الدولة اللبنانية الأقساط المستحقة عليها سواء من خلال الاستدانة من المصارف اللبنانية او من خلال تخفيض الموازنة العامة او الغاء مصاريف ضمن الموازنة بقيمة ملياري دولار لدفع سندات اليورو بوند.
اول تحذير خطير وجدي جاء من الخليج ردا على بحث لبنان عدم دفع سندات ديونه وقال بيان دول الخليج الذي يضم الكويت والسعودية ودولة الامارات ان عدم قيام لبنان بدفع قسم من أقساط سندات ديونه هو امر خطير للغاية وسيضرب مصداقية لبنان المالية ويعني ذلك شبه افلاس وسيؤدي الى عدم الاستثمار في لبنان وحتى لو بنسبة ضعيفة وطالبت دول الخليج لبنان بدفع أقساط ديونه دون تأخير لأن ذلك هو من اخطر الأمور التي سيتعرض لها لبنان اذا لم يدفع أقساط ديونه لان دول الخليج تعتبر ذلك شبه افلاس او شبه انهيار مالي.
اما الموازنة اللبنانية وان كان تم إقرار موازنة 2020 بعجز 0.6% فهي لا تعني شيئاً طالما ان لبنان لا يدفع سندات ديونه، اما المصارف الأوروبية والمؤسسات المالية الكبرى فمنها من وافق على تقسيط الديون ولكن سيتم تصنيف لبنان في اطار الدول الغير قادرة على تسديد ديونها وبالتالي دخولها في حالة شبه الإفلاس ومن هنا فإن كل دولة في العالم لا تقوم بدفع أقساط ديونها يتم وضعها على لائحة الدول التي تعيش وضعاً خطيراً جدا ودخلت مرحلة الانهيار المالي ويعني ذلك ان سنة 2021 ستكون صعبة جدا على لبنان وان إيرادات الخزينة ستتأمن بنسبة معينة لكن سيزداد الدين العام على لبنان من خلال فوائد السندات اليوروبوند التي لم يتم دفعها إضافة الى تسجيل النقاط السوداء على لبنان بانها دولة شبه مفلسة لا تدفع أقساط ديونها.
هذا الامر استدعى ارسال وفد من صـندوق النـقد الدولي الى لبنان لدراسة الوضع المالي اللبناني وما حل بلبنان خلال 5 اشهر ونصف هو امر خطير جدا ذلك ان لبنان يقوم على مبدأ الحرية الاقتصادية كونه بلداً ذا اقتصاد حر فإذا بالمواطن الذي وضع ودائعه في المصـارف اللبنانية يجد نفسه غير مسموح له سحب ودائعه الا بقيمة صغيرة لانها سلفة بقيمة 200 و300 دولار وهذا امر لم يحصل حتى الان في فنزويلا وحتى في ايران لم يتم منع سحب أموال موجـودة في المصـارف رغم الحصار الكبير من اميركا على ايران ومنعها من استخدام الدولار، ولكن المصرف المركزي الإيـراني لم يمـنع الإيرانيين من سحب ودائعهم من المصارف الإيرانيـة اذا أرادوا سحب ودائعهم مع العلم ان ودائع الإيرانيين في الدولار هي شبه معدومة، ولكن مبدأ منع الإيرانيين من سحب ودائعهم لم يسجل في ايران تاريخيا ولكن في لبنان تم منع اللبنانيين من سحب ودائعهم وهذا يعني ان مستقبلا كل شيء مستباح وهو مثلا منع اللبناني من بيع منزله او بيع سيارته او بيع قطعة ارض له او بيع أي مادة تجارية يملكها، وإذ ذاك يكون مبدأ ان لبنان دولة ذات اقتصاد حر قد سقط كلياً ولم يعد لبنان دولة اقتصاد حر بل دولة شبه شيوعية او دولة اشتراكية.
القانون اللبناني واضح وهو ان لبنان دولة اقتصاد حر وقد قدمت مودعة لبنانية لها ودائع في مصرف بنك بيبلوس دعوى لدى المحكمة واستندت ان لبنان دولة اقتصادها حر فصدر قرار عن المحكمة اللبنانية باجبار بنك بيبلوس على دفع وديعة المواطنة اللبنانية على أساس ان لبنان اقتصاده حر ولا يمكن لاحد ان يكسر مبدأ هذه الحرية، لان مثلا لا يمكن لاحد ان يقول ان لبنان دولة لا ديمقراطية فيها ويعلن ان لا انتخابات نيابية في لبنان ولا حكومة تنتج عن الانتخابات النيابية وفق النظام الديمقراطي وكذلك لا يحق لاحد ان يعلن ان لبنان لم يعد يتم انتخاب رئيس الجمهورية من قبل المجلس النيابي لان بذلك تغيير للدستور والنظام السياسي والمالي ومن هنا اذا لم يعلن لبنان عن دفع سندات ديونه ستعلنه الدول على انه دولة على شفير الإفلاس، وهو خرق كبير على ان لبنان ذات اقتصاد حر وان مصادر الودائع في المصارف وعدم دفعها والاستيلاء على أموال الشعب اللبناني وهي ملكها ولا يحق لاحد حرمان الشعب اللبناني من املاكه الشخصية وحقوقه والودائع التي يملكها في المصارف او أي شيء يملكه على الأراضي اللبنانية وخارجها الا وفق الدول التي تطبق اقتصاد الشيوعية او الاشتراكية مع ان الدول الشيوعية سقطت باستثناء كوريا الشمالية.
لذلك ان دفع سندات اليوروبوند يجب ان يتم والا قد يكون لبنان قد قرر السير على طريق الانهيار المالي والافلاس الفعلي تدريجيا وسيظهر هذا الامر من منتصف عام 2021 ويزداد عام 2022 ولا شيء يمنع البنك الدولي من ان يضع يده على اقتصاد لبنان مقابل تسديد ديون لبنان للداخل والخارج ويصبح البنك الدولي سلطة الوصاية على لبنان ويفقد لبنان سيادته الاقتصادية وعبرها سيادته السياسية وسيادة نظامه الديمقراطي وغيره.
الامر خطير جدا وكان يجب ان يتم الانتباه قبل سنة ونصف الى سندات يوروبوند التي يجب على لبنان ان يدفعها ولكن سبب المصيبة هي الطقم السياسي والأمني والعسكري ورؤساء أجهزة الامن والإدارات العامة والعسكرية والمدراء العاميون في الدولة والنواب والوزراء الذين تصرفوا خلال 30 سنة بشكل غير مسؤول والذي أدى الى وصول لبنان الى هذا الوضع الخطير الذي بدأ يفقد سيادته المالية على نفسه ويعلن بداية افلاسه والانهيار المالي، نتيجة عدم دفع سندات اليوروبوند كما ان هذا الامر يؤدي الى عدم استثمار الشركات في لبنان وسيؤدي الى عدم ارسال المغتربين اللبنانيين والموظفين اللبنانيين الذين يعملون في الخليج خاصة والذين يعملون في أوروبا والمتواجدين في كندا والولايات المتحدة والعالم من ارسال أموالهم الى لبنان، وهذا سيؤدي الى اسقاط ميزان المدفوعات بشكل رهيب.
يجب على المسؤولين من فخامة رئيس الجمهورية الذي هو اقسم اليمين الوحيد على الحفاظ على دستور لبنان كذلك المجلس النيابي والحكومة كذلك المسؤولون العسكريون ورؤساء الأجهزة الأمنية السابقون ان يتحملوا مسؤولياتهم وان يقوموا برد الأموال المنهوبة الى الدولة اللبنانية مما جعلها تحت الدين العام ما يزيد 100 مليار دولار وما لم تتخذ الدولة اللبنانية إجراءات جدية بشأن دفع سندات اليوروبوند سيكون ذلك اعلان رسمي وقاطع بان لبنان على طريق الإفلاس والانهيار المالي، واموال الشعب اللبناني قد تضيع وكل اقتصاد لبنان الحر سيسقط.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *