Loading...

من صحافة العالم

ديناميكية جديدة - قديمة: ما الذي تغير في العلاقات التركية الإسرائيلية؟

تاريخ النشر : الأربعاء 30 مايو 2018


كتب : غاليا ليندنشتراوس وبركائي غولان
على الرغم من أن العلاقات بين إسرائيل وتركيا تمتاز بالارتباط المتبادل إلى درجة معينة، بمعنى أن الدولتين تتقاسمان مصالح يمكن تحقيقها عن طريق العلاقات الثنائية بينهما، فإن القليل من هذه المصالح يتلاقى في هذه الأيام ليشكل قواسم مشتركة. فالمشروع المقترح لمد خط الغاز من إسرائيل إلى تركيا لم يتم تنفيذه إلى الآن، كما أن جهود إعادة الإعمار في غزة، والتي يمكن أن تشكل مصلحة مشتركة، لا تسير كما ينبغي.

في أعقاب نقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، واحتجاجاً على قتل المتظاهرين الفلسطينيين خلال المواجهات مع الجيش الإسرائيلي على الحدود مع قطاع غزة، أعادت تركيا سفيريها من إسرائيل ومن الولايات المتحدة. كما أصدرت أنقرة تعليماتها إلى سفير إسرائيل بمغادرة تركيا بشكل مؤقت. ومن ناحيتها ردت إسرائيل بالعملة نفسها وطلبت من القنصل العام التركي الموجود في القدس (والمشرف بشكل أساسي على العلاقات مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة) بمغادرة البلاد. وبالإضافة إلى ذلك، طلبت وزارة الخارجية التركية من القنصل العام الإسرائيلي في اسطنبول العودة إلى إسرائيل للتشاور.

ثلاث مرات في تاريخ العلاقات الثنائية، في 1956 و 1980 و 2011، بادرت تركيا إلى تخفيض مستوى العلاقات الرسمية. في هذه المرة لم يتم رسمياً تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي، إلا أن إعادة السفير التركي من الولايات المتحدة يشكل بعداً آخر يدلل على خطورة الأزمة الراهنة. صحيح أن تركيا تُظهر منذ عقود عديدة التعاطف مع النضال الفلسطيني وتوجه الانتقادات إلى إسرائيل في كل مرة يتدهور فيها الصراع، إلا أنه منذ الولاية الثانية لرجب طيب أردوغان كرئيس للحكومة في 2007 أصبحت الانتقادات الموجهة لإسرائيل أكثر شيوعاً. وحتى أن أردوغان قد التقى في 15 أيار/مايو من هذا العام في لندن مع عدد من ممثلي الطائفة الحريدية الصغيرة المعادية للصهيونية – "ناطوري كارتا".

إن الاستخدام الذي يقوم به أردوغان للأزمات مع إسرائيل بهدف تقوية موقعه، سواء في تركيا أو في العالم الإسلامي، هو تعبير عن ديناميكية ممجوجة. فتركيا تقترب من الانتخابات الخاطفة التي ستُجرى في 24 حزيران/يونيو 2018. ولوحظ بين صفوف حزب العدالة والتنمية (AKP) وجود قلق حقيقي من حدوث تآكل في تأييد الجمهور للحزب، وبخاصة بسبب احتمالات حدوث أزمة اقتصادية. وعليه، فإن دعوة أردوغان لإقامة اجتماع جماهيري حاشد في اسطنبول في يوم الجمعة الأول من شهر رمضان، الذي صادف 18 أيار/مايو، وكذلك الخطاب الحاد ضد إسرائيل الذي سُمع فيه، تبدو كجزء من حملته الانتخابية الرئاسية، وكجزء من حملة حزب العدالة والتنمية للانتخابات البرلمانية.     

وهناك بعد جديد أيضاً يتعلق بالتوترات والتنافس على النفوذ في العالم السني، وهو تعبير عن إحباط اردوغان من الدول الإسلامية الأخرى، وبخاصة الدول العربية (المملكة العربية السعودية ومصر) لأنها لم تحتج بالشكل المناسب ضد إسرائيل بسبب القتلى الفلسطينيين خلال المواجهات على السياج الحدودي الفاصل بين إسرائيل وقطاع غزة. أما أحزاب المعارضة، والتي تدرك التعاطف في أوساط الجمهور التركي الواسع مع الكفاح الفلسطيني والاستخدام السياسي الذي يقوم به أردوغان للتوترات مع إسرائيل، فقد دعت هي الأخرى إلى تبني خطوات قاسية ضد إسرائيل، من نمط إعادة السفير التركي بشكل دائم، وذلك كطريقة لتحدي أردوغان وحزبه.

والدعوات في المؤسسة السياسية الإسرائيلية، وفي وسائل الإعلام الإسرائيلية، للاعتراف بمذابح الشعب الأرمني، ودعم الأكراد (وإن كان هذا الدعم للأكراد خارج تركيا، وبخاصة في شمال العراق وشمال سوريا)، وكذلك مقاطعة السياحة إلى تركيا – هذه الدعوات ليست جديدة أيضاً. والشيء الجديد هذه المرة هو التأكيد على "العين بالعين" – سواء كان ذلك على صعيد الخطاب المتبع أو على صعيد الخطوات التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية. وهذا النهج الجديد، الذي يبعث برسالة مفادها أن "من بيته من زجاج لا يرمي الآخرين بالحجارة"، هو نهج قد جرى استخدامه للمرة الأولى من قبل وزارة الخارجية الإسرائيلية في تموز/يوليو 2017، وكان ذلك بهدف لفت الانتباه إلى سياسة تركيا ونشاطاتها ضد مواطنيها من الأكراد، وكذلك الحال للسلوك التركي في شمال سوريا وفي قبرص.

وخلال عملية "الجرف الصامد" (2014) في قطاع غزة، رفضت إسرائيل وساطة تركيا لوقف إطلاق النار، في الوقت الذي تم فيه قبول المساعدات الإنسانية التركية المقدمة للفلسطينيين بالترحاب – طالما أنها تصل بالتنسيق مع إسرائيل. وعلى خلفية التوتر الحالي بين البلدين، يجب الافتراض أن إسرائيل ستجد صعوبة أكبر في الابقاء على التمييز بين التدخل السياسي والتدخل الإنساني من جانب تركيا. ووفق التقارير في وسائل الإعلام فإن إسرائيل قد رفضت طلباً تركياً لإنزال طائرة بهدف إخلاء المصابين الفلسطينيين. كما أن إسرائيل تتطلع بريبة متزايدة لاستضافة نشطاء حماس في تركيا خاصة وأن بعضهم، وفق مصادر إسرائيلية، مرتبط مع الذراع العسكرية للحركة. 

وعلى الرغم من أن العلاقات بين إسرائيل وتركيا تمتاز بالارتباط المتبادل إلى درجة معينة، بمعنى أن الدولتين تتقاسمان مصالح يمكن تحقيقها عن طريق العلاقات الثنائية بينهما، فإن القليل من هذه المصالح يتلاقى في هذه الأيام ليشكل قواسم مشتركة. فالمشروع المقترح لمد خط الغاز من إسرائيل إلى تركيا لم يتم تنفيذه إلى الآن، كما أن جهود إعادة الإعمار في غزة، والتي يمكن أن تشكل مصلحة مشتركة، لا تسير كما ينبغي. وبالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من أن الخطر الذي يشكله داعش بالنسبة لتركيا قد تراجع، وعلى الرغم من وجود بعض التعاون الاستخباراتي على صعيد تبادل المعلومات لمواجهة هذا التنظيم (وفق وزير الاستخبارات الإسرائيلي)، فإنه لم يحصل أي تقارب بين الدولتين على النحو الذي كان يشكله التهديد القادم من سوريا في التسعينيات. وفي السياق السوري الراهن، صحيح أن الدولتين لا تتنافسان على النفوذ، وذلك لأن تركيا مهتمة بشكل رئيسي بالشمال السوري بينما نجد أن جل الاهتمام الإسرائيلي ينصب قبل كل شيء على جنوب سوريا، إلا أن إسرائيل لا تنظر بارتياح إلى التعاون بين تركيا وإيران، مثل التعاون القائم في سوريا، وكذلك الانتقادات التركية لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران.    

ويبرز الارتباط المتبادل، بشكل خاص، في المجال الاقتصادي. وقد أظهرت النقاشات التي جرت مؤخراً في وسائل الإعلام الإسرائيلية مدى أهمية الفرصة التي يوفرها الطيران في المجال الجوي التركي لشركة الطيران الإسرائيلية (العال). وهناك قضية أخرى جرى التطرق لها وهي كمية النفط الضخمة من النفط المستورد والتي تصل إلى إسرائيل بواسطة الناقلات عبر ميناء جيهان التركي. وتركيا، التي تتمتع بفائض تجاري مع إسرائيل، معنية بالإبقاء على مستوى التصدير إلى إسرائيل (في عام 2017 بلغ حجم التبادل التجاري 4.3 مليار دولار، منها 2.9 مليار دولار صادرات تركية إلى إسرائيل و 1.4 مليار دولار صادرات إسرائيلية إلى تركيا). وبالإضافة إلى ذلك فإن الشاحنات التركية تصل على ظهر السفن التي ترسو في ميناء حيفا وتستخدم الطرق الإسرائيلية لنقل البضائع إلى الأردن، ومن هناك شرقاً. وقد ساعد خط حيفا – الأردن، ساعد تركيا في التغلب على فقدان عدد من الخطوط التجارية الناجم عن الحرب الأهلية في سوريا والتوتر في العلاقات التركية المصرية. وقد سُجل في عام 2017 ارتفاع يقدر بحوالي 30% في عدد السياح الإسرائيليين الذين زاروا تركيا مقارنة بعام 2016 (380 ألف سائح). وخط تل أبيب – اسطنبول هو أحد خطوط الطيران الأكثر ربحية لشركة الطيران التركية توركيش اير لاينز. وفي عام 2015 أضافت هيئة الشؤون الدينية التركية، أضافت المسجد الأقصى إلى برنامج الحج الخاص بها، حيث بلغ عدد السواح الأتراك الذين زاروا القدس عام 2017 حوالي 40.000 سائح.

إن تعبيرات الديناميكية الجديدة والقديمة على حد سواء، التي نلاحظها في الأزمة الحالية، إنما هي، قبل كل شيء، إشارة واضحة إلى أن العلاقات نفسها على المحك، وليس مستوى التمثيل الدبلوماسي وحسب. ومن الممكن القول إن إسرائيل، وفق مفاهيم كثيرة، قد نجحت في إيجاد ما يعوضها عن تدهور العلاقات مع تركيا وذلك في العلاقات المزدهرة مع كل من قبرص واليونان، والتعاون الهادئ مع المملكة العربية السعودية ومصر، وكذلك في زيادة التصدير العسكري إلى الهند. ولا تزال تركيا تكشف عن نفسها بوصفها خصم عنيد، يثير المصاعب في وجه إسرائيل على الساحة الدولية. ومن ذلك على سبيل المثال مبادرتها لعقد اجتماعين استثنائيين، خلال الشهور الست الأخيرة فقط، لمنظمة التعاون الإسلامي (OIC) حول قضية القدس. وقد صدق المنتقدون لاتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل وتركيا، والذي تم التوقيع عليه في حزيران / يونيو 2016 بهدف تسوية النزاع بينهما حول حادثة مرمرة، صدقوا في إدعائهم بأن الاتفاق لم يحقق توقعات الطرفين. ومع ذلك فإن إدعاءهم بأنه لو لم يتم توقيع الاتفاق لكان الوضع بين إسرائيل وتركيا أفضل حالاً هو إدعاء لا يقنع كثيراً. ويتضح الآن بعد مرور الوقت أن الثمن الذي دفعته إسرائيل مقابل اتفاق التطبيع كان محدوداً، إلا أن المكسب منه، في المدى القصير على الأقل، كان صغيراً.

 

ترجمة: مرعي حطيني

المصدر : معهد أبحاث الأمن القومي

صفحة للطباعة


صفحة جديدة 1
 

شارك هذا المنشور على : Share

المزيد من المشورات في قسم : من صحافة العالم

 

جميع الحقوق محفوظة

 
يوجد حاليا, 12942 ضيف/ضيوف يتصفحون الموقع