سياسة إردوغان الجديدة.. هل تحوّله من سلطان عثمانيّ إلى أتاتورك جديد؟

ميشال كلاغاصي

يحاول الرئيس التركي صبّ جهوده على تغيير سياساته الخارجية، بعد فشل اعتماده على التحركات العسكرية للجيش التركي، الذي أراد له أن يكون الجيش الأول في مشروع طوران.

لم يعد ممكناً إخفاء العلامات الواضحة للأزمات السياسية والاجتماعية في تركيا، بالتوازي مع أزماتها الاقتصادية المتنامية بشكل متزايد، والتي تكاد تؤدي إلى نتائج كارثية، فالليرة التركية تعاني هبوطاً وتدهوراً مخيفاً، وسط انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي وتصاعد الديون الخارجية، ناهيك بارتفاع نسب البطالة وتنامي الاستياء الشعبي من مجمل السياسات الداخلية والخارجية للرئيس رجب طيب إردوغان وحكومته، ما انعكس على انخفاض نسبة تأييده إلى ما دون 39%، بحسب الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة “متروبول”، الأمر الذي يطرح المزيد من التساؤلات عن فرص بقائه رئيساً للبلاد.

وفيما تبقّى من الوقت، إلى أن يحلّ موعد إجراء الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة في حزيران/يونيو 2023، يدخل الرئيس التركي وحكومته سباقاً مع الزمن، في محاولةٍ شبه يائسة لتقديم أدلّة مقنعة على قدرته على إعادة الاستقرار إلى اقتصاد منهك كانت له اليد الأولى في هزّه وإضعافه، نتيجة تفرّده بالحكم، بوصفه ديكتاتوراً تركياً جديداً، محاطاً بزعماء المافيات التركية والعائلية والحزبية. وعلى الأرجح، لن يتمكن من فعل الشيء الكثير، في ضوء نهجه واتباعه السياسات نفسها التي أوصلته وبلاده إلى هذا الحال.

انطلاقاً من هذه الخلفيّة، يحاول الرئيس التركي صبّ جهوده على تغيير سياساته الخارجية، بعد فشل اعتماده على التحركات العسكرية للجيش التركي، الذي أراد له أن يكون الجيش الأول في مشروع طوران.

ومن خلال دعم وسائل الإعلام التركية الموالية، أطلق الرئيس التركي مزاعمه حول جدية مراجعة السياسات الخارجية، وبدء “مرحلةٍ جديدة” تقوم على السلام والاستقرار والأمن الدبلوماسي مع دول المنطقة. وتمّ تسليط الأضواء على الاجتماعات التي يجريها الرئيس مع مستشاريه ومساعديه لمناقشة المراجعة الكاملة للسياسة الخارجية، وتشكيل مجموعات عمل لتطوير العلاقات مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” وأرمينيا ودول الخليج العربي ودول البلقان.

وقد عزّزت وسائل الإعلام التركية خطوات أنقرة لإعادة العلاقات مع “إسرائيل”، إضافةً إلى إعلان الرئيس إردوغان زيارة نظيره الإسرائيلي لتركيا، وإمكانية نقل الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا…

وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية التركي محادثة هاتفية مع نظيره الإسرائيلي هي الأولى منذ العام 2008، في وقتٍ أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى الأثر الكبير الذي تركته تصريحات إردوغان في “المجتمع” الإسرائيلي ووكالات الأنباء الدولية.

أما عن تطوير العلاقات التركية مع دول الخليج العربي، إذ ترتبط أنقرة بعلاقات وثيقة مع قطر والكويت، فقد بدأت مؤخراً عملية جديدة لتطوير العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة. كما أنّ تحسين العلاقات مع المملكة العربية السعودية يعدّ أحد الأهداف التي تسعى حكومة إردوغان لتحقيقها في سياستها الخارجيّة الجديدة. وفي هذا الصّدد، أشار الرئيس إلى نيته زيارة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في منتصف شباط/فبراير الحالي.

ومن خلال “المرحلة الجديدة”، تحرّك إردوغان لتعزيز خطوات تطبيع العلاقات مع أرمينيا، وتم تعيين مبعوثين خاصين لكلا الدولتين، وانطلقت الرحلات الجوية المتبادلة بينهما، وأُعلن عن خطّة لتحويل مقاطعة “فان” التركية إلى منطقة سياحية للأرمن، وهي التي يعتبرونها عاصمة أرارات، وسط المملكة الأرمينية، ومركزاً للثقافة الأرمنية منذ القرن الثامن قبل الميلاد، إلى أن دمّرها الأتراك إبان الإبادة الجماعية في العام 1915.

وفي سياق “المرحلة الجديدة”، قام الرئيس إردوغان بأول زيارة خارجية له هذا العام إلى ألبانيا، واصطحب معه وفداً مهماً ضم وزراء الخارجية والدفاع والداخلية، بما يعكس اهتمامه بمنطقة البلقان كلّها. كذلك، استقبل الرئيس الصربي في أنقرة، وبحث معه حلّ الأزمة في البوسنة والهرسك بعيداً عن بعض تفاصيل اتفاقية “دايتون”، وأكّد ضرورة اجتماع زعماء البوسنة وكرواتيا وصربيا.

بات واضحاً اتّجاه سياسة الرئيس إردوغان الخارجية، من خلال عرض وساطته لحلِّ الأزمة في البوسنة والهرسك، وإعلان التزامه بالحلّ السلميّ في القوقاز من خلال منصّة “3 +3” التشاورية الإقليمية، والتوسط لتسوية الخلاف بين روسيا وأوكرانيا، على الرغم من دعمه العسكري لأوكرانيا.

يسعى الرئيس التركي لإظهار رغبته في أن تكون تركيا قوة عالمية، على الرغم من افتقارها الإمكانيات التي تسمح لها بطرح مبادراتٍ تتناسب مع جدول الأعمال الذي تحتاجه هذه الدول، في الوقت الذي تحتاج أنقرة إلى تعزيز علاقات التعاون الاقتصادي مع روسيا تحديداً، فهي الدولة الوحيدة في المنطقة القادرة على مساعدة تركيا من خلال العلاقات الوثيقة بينهما، والتي لم يلتزم بها الرئيس التركي خلال العقد الماضي، وراهن على واشنطن والناتو وبعض العواصم الغربية ضد المصالح الروسية.

من المثير للاستغراب أن يتحوّل إردوغان من السلطان والإمبراطور العثماني إلى أتاتورك جديد، عبر تغيير جلده وإطلاق بضع مبادرات سياسية خارجية يعتقد أنّها ستضمن له الزعامة داخل تركيا وخارجها في “قرنٍ تركي جديد”… وسط عالمٍ غربي وأوروبي وعربي وآسيوي وأفريقي لا يثق به، ويراقب تعثّره في حل مشاكله الداخلية وتنظيف نفسه من النفاق الاستراتيجي، وفساد حقبة حكمه وحكومته وحزب “العدالة والتنمية”.

ADVERTISEMENT

ذات صلة ، مقالات

التالي

Discussion about this post

من منشوراتنا

زين العملات واقتصاد الكاش… خطر صحي أيضاً! الكاتب: خالد أبو شقرا – نداء الوطن الاقتصاد النقدي تخزين العملات لبنان «المال وسخ الدنيا»، إحدى أشهر المقولات المجازية التي تدل على ضرورة تجنب سلوك طُرق غير أخلاقية للحصول والمحافظة على النقود، تحولت مع الأزمة في لبنان إلى حقيقة. فبالإضافة إلى ما يتيحه الاقتصاد النقدي، المدعوم بمنصة صيرفة، من فرص لتحقيق أرباح مشكوك بنظافتها، فان قسماً من النقود المتداولة في لبنان قذرة من الناحية الفيزيائية أيضاً. حيث يظهر بوضوح تأثّر العديد من الفئات المتداولة بالليرة والدولار بعوامل التخزين السيئة. موظفو المصارف الذين يعملون باحتكاك مباشر مع النقود أكثر من يعاني من قذارة العملات المتداولة. فـ»الكثير من الليرات التي تأتينا «مهلهلة» (مهترئة) وتفوح منها رائحة «العطنة» (الرطوبة)، يقول أحد أمناء الصناديق في بنك لبناني. ونظراً لعدم قدرة ماكنات عدّ الأموال على قراءتها نضطر إلى عدّها يدوياً. الأمر الذي يتسبب بحساسية تزكم الأنوف، وتصيبنا بطفح جلدي. ومما فاقم من حدة المعاناة حمل العملاء رزماً من الليرات بالأكياس والشنط، لتبديلها بالدولار النقدي مع فتح مصرف لبنان السقوف أمام كل المواطنين لتبديل ما بحوزتهم من عملة وطنية إلى دولارات عبر منصة صيرفة». وبحسب أمين الصندوق فان مشكلة العملات المهترئة «لا تقتصر على الليرات، إنما تطول أيضاً الدولارات». وعلى الرغم من الجودة العالية للأوراق الخضراء المطبوعة بدقة واحترافية عالية، والمصممة لمقاومة أسوأ التغيرات الطبيعية والصمود لفترات طويلة، فان «هناك أوراقاً يظهر وكأنها صدئة، وملتصقة بالرباط المطاطي، وتنبعث منها رائحة كريهة». سوء تخزين الليرات الإستفسار عما يدعيه موظفو المصارف بشأن قذارة العملات، قادنا إلى نتيجتين مختلفتين للمشكلة الواحدة. ففي ما يتعلق بالليرة تحديداً يُرجّح رئيس نقابة موظفي المصارف في لبنان أسد خوري أن تكون المشكلة ناتجة عن «الكميات الكبيرة من الليرات المخزّنة منذ انفجار الأزمة الاقتصادية في نهاية العام 2019 بطريقة خاطئة، والتي عادت لتدخل إلى الأسواق من بوابة صيرفة، خصوصاً في الفترات التي تُفتح فيها السقوف». ففي مراحل الأزمة الأولى ولا سيما قبل نهاية العام 2020 كانت المصارف تتيح للعملاء سحب مبالغ كبيرة جداً من الودائع الدولارية بالليرة على سعر صرف 3900 ليرة بداية، ومن ثم على أساس 8000 ليرة. وكان بامكان المودع سحب حتى حدود 5000 دولار من كل حساب يمتلكه منفردأ أو بالشراكة مع غيره. ونتيجة الإرباك والضياع الذي ساد صفوف المودعين في تلك الفترة عمد قسم كبير من المودعين إلى سحب كميات كبيرة من الليرات وتخزينها في البيت، إما لاستخدامها في عمليات الشراء أو لتبديلها بالدولار. ساعدهم في تلك الفترة تقلص الفرق بين سعر السحوبات وسعر السوق الموازية. ومع فتح سقوف صيرفة نبشت هذه الأموال تباعاً من جديد وعادت لتدخل السوق. وبحسب خوري فان «هذه المشكلة تراجعت مؤخراً بشكل كبير حتى كادت تنتفي. فكل النقود بالليرة التي تشوبها العيوب تذهب إلى مصرف لبنان. والأخير يتلفها ويطبع مكانها عملات جديدة». من جهة أخرى يعتبر أحد الخبراء أن «سرعة تداول العملة اللبنانية وتحويلها المتكرر بين الأفراد والمؤسسات ومنصة صيرفة، ومن ثم خروجها من جديد من «المركزي» على شكل رواتب ومدفوعات، لتعود وتدور نفس الدورة هو ما تسبب بهلاكها». المعاناة مع العملات لا تتوقف عند حدود البالية منها، إنما أيضاً الجديدة جداً. فماكنات المصارف لا تتعرف على الطبعة الجديدة من فئة 100 ألف ليرة، نسخة 2022. إلا أن هذه المشكلة كان حلها بسيطاً برأي خوري، و»لم تتطلب أكثر من يوم إلى يومين من أجل تحديث برمجة الماكنات». غياب «الشحّينة» الكبار في ما يتعلق بأوراق الدولار التي تشوبها العيوب قد تكون المشكلة أكثر تعقيداً وكلفة على المواطنين تحديداً. فالمصرف المركزي لا يمكنه استبدالها بعملات نظيفة كما يفعل مع الليرة. الأمر الذي يوقع المواطنين من حملة الدولارات المهترئة ضحية منتهزي الفرص من الصرافين. حيث يشترون هذه الدولارات غير المقبولة بحسم يبلغ 5 في المئة أحياناً كثيرة، ويصل إلى حدود 20 في المئة بحسب حجم تضرر العملة. ذلك مع العلم أن هؤلاء الصرافين يسلمون الأموال إلى شركات الشحن التي تهتم بنقل هذه الأموال إلى الخزينة الاميركية لاستبدالها بكلفة أقل بكثير. «ما يواجهه المواطنون من مشاكل تتعلق باستحالة تصريف العملة الصعبة المتضررة فيزيائيا، أو حتى استبدالها في حال كانت مشرومة أو مفقوداً قسم منها، لم يكن لها وجود قبل العام 2019»، بحسب خبير المخاطر المصرفية د. محمد فحيلي. «إذ مهما كان نوع الضرر في العملة أو حجمه كانت تُسلّم لشركة مكتف للشحن، والأخيرة تسلّم البنوك أو الصرافين بديلاً جديداً عنها بكلفة لا تتجاوز 1 أو 1.5 بالألف». وبحسب فحيلي فان «من واجب الشركات التي تملك رخصة شحن أموال في لبنان (يبلغ عددها 8 شركات صيرفة يحق لها شحن الاوراق النقدية والمعادن الثمينة من لبنان وإليه) لمّ هذه الأموال وتبديلها بأخرى جديدة مقابل عمولة زهيدة». من جهته يعتبر أسد خوري أن «التضييق خلال الفترة الماضية على كبار «الشحّينة» من أمثال شركة مكتف، لم يؤد إلى فقداننا لشركات الشحن المحترمة فحسب، إنما أيضاً سمح للصرافين الصغار بأن يخترعوا أساليب جديدة لتحقيق الأرباح على حساب المواطنين». العملات القذرة وشركات التنظيف السهولة الكبيرة في تبديل العملات الأجنبية التالفة بأخرى جديدة، نفت الحاجة خلال الأعوام الماضية إلى إنشاء شركات متخصصة بتنظيف العملات وإزالة الشوائب عنها على غرار الكثير من البلدان. وقد جنبت شركات شحن الأموال المحترفة على غرار «مكتف ش.م.ل» نشوء مثل هذه الشركات التي يغلب عليها في أحيان كثيرة «طابع غير قانوني» على حد تعبير فحيلي. فـ»أحد الاجراءات الوقائية في حال سرقة الأوراق النقدية من المصارف يتمثل في وضع قنبلة تلوينية تعلّم العملات المسروقة بمجرد فتح الشنطة وذلك لتسهيل عمليات التتبع والملاحقة. ومع وجود مثل هذه الشركات المتخصصة في تنظيف العملات من الصبغات، يصبح خرق الاجراءات الأمنية والوقائية متاحاً. وهذا أمر غير قانوني». 6 نصائح لحفظ النقود الورقية في ظل توسع الاقتصاد النقدي، وأمام انعدام الثقة بشكل كلي بالمصارف يظهر أن اللبنانيين ملزمون باكتناز الاموال في منازلهم ومخابئهم السرية إلى أجل غير مسمى. ولكي لا يقعوا ضحة التخزين الخاطئ والعشوائي ويتعرضون لاستغلال بعض الصرافين، وتكبيدهم أكلافاً باهظة لاستبدال العملات التالفة بأخرى جديدة، ينصح الخبراء باتباع إجراءات بسيطة للمحافظة على نظافة النقود وحمايتها من التلف. ومن هذه الإجراءات: – رش النقود المراد تخزينها بـ «حامض البولي فينيل كلورايد» (PVC) لحمايتها من الأوساخ والرطوبة والحطام. – الاحتفاظ بالنقود بمكان بعيد عن أشعة الشمس المباشرة. – تخزين النقود الورقية في مكان بارد وجاف مثل الخزانات وخزائن الملابس، بعيداً عن الحرارة والرطوبة الزائدة. – المحافظة على جفاف الهواء في أماكن التخزين. – استخدام الآلات المزيلة للرطوبة، المتوفرة بأحجام مختلفة. أو إضافة حبيبات سحب الرطوبة بين كدسات الأموال. – وضع العملات الورقية في مظاريف بلاستيكية خاصة. وليس في الأكياس البلاستيكية العادية فمن المهم أن لا يحتوي النايلون على أي من مواد PVC . فهذه المواد تطلق مع مرور الوقت موادّ كيميائية وغازات يمكن أن تلحق الضرر بالعملات الورقية

اقرأ المزيد

آخر ما نشرنا

زين العملات واقتصاد الكاش… خطر صحي أيضاً! الكاتب: خالد أبو شقرا – نداء الوطن الاقتصاد النقدي تخزين العملات لبنان «المال وسخ الدنيا»، إحدى أشهر المقولات المجازية التي تدل على ضرورة تجنب سلوك طُرق غير أخلاقية للحصول والمحافظة على النقود، تحولت مع الأزمة في لبنان إلى حقيقة. فبالإضافة إلى ما يتيحه الاقتصاد النقدي، المدعوم بمنصة صيرفة، من فرص لتحقيق أرباح مشكوك بنظافتها، فان قسماً من النقود المتداولة في لبنان قذرة من الناحية الفيزيائية أيضاً. حيث يظهر بوضوح تأثّر العديد من الفئات المتداولة بالليرة والدولار بعوامل التخزين السيئة. موظفو المصارف الذين يعملون باحتكاك مباشر مع النقود أكثر من يعاني من قذارة العملات المتداولة. فـ»الكثير من الليرات التي تأتينا «مهلهلة» (مهترئة) وتفوح منها رائحة «العطنة» (الرطوبة)، يقول أحد أمناء الصناديق في بنك لبناني. ونظراً لعدم قدرة ماكنات عدّ الأموال على قراءتها نضطر إلى عدّها يدوياً. الأمر الذي يتسبب بحساسية تزكم الأنوف، وتصيبنا بطفح جلدي. ومما فاقم من حدة المعاناة حمل العملاء رزماً من الليرات بالأكياس والشنط، لتبديلها بالدولار النقدي مع فتح مصرف لبنان السقوف أمام كل المواطنين لتبديل ما بحوزتهم من عملة وطنية إلى دولارات عبر منصة صيرفة». وبحسب أمين الصندوق فان مشكلة العملات المهترئة «لا تقتصر على الليرات، إنما تطول أيضاً الدولارات». وعلى الرغم من الجودة العالية للأوراق الخضراء المطبوعة بدقة واحترافية عالية، والمصممة لمقاومة أسوأ التغيرات الطبيعية والصمود لفترات طويلة، فان «هناك أوراقاً يظهر وكأنها صدئة، وملتصقة بالرباط المطاطي، وتنبعث منها رائحة كريهة». سوء تخزين الليرات الإستفسار عما يدعيه موظفو المصارف بشأن قذارة العملات، قادنا إلى نتيجتين مختلفتين للمشكلة الواحدة. ففي ما يتعلق بالليرة تحديداً يُرجّح رئيس نقابة موظفي المصارف في لبنان أسد خوري أن تكون المشكلة ناتجة عن «الكميات الكبيرة من الليرات المخزّنة منذ انفجار الأزمة الاقتصادية في نهاية العام 2019 بطريقة خاطئة، والتي عادت لتدخل إلى الأسواق من بوابة صيرفة، خصوصاً في الفترات التي تُفتح فيها السقوف». ففي مراحل الأزمة الأولى ولا سيما قبل نهاية العام 2020 كانت المصارف تتيح للعملاء سحب مبالغ كبيرة جداً من الودائع الدولارية بالليرة على سعر صرف 3900 ليرة بداية، ومن ثم على أساس 8000 ليرة. وكان بامكان المودع سحب حتى حدود 5000 دولار من كل حساب يمتلكه منفردأ أو بالشراكة مع غيره. ونتيجة الإرباك والضياع الذي ساد صفوف المودعين في تلك الفترة عمد قسم كبير من المودعين إلى سحب كميات كبيرة من الليرات وتخزينها في البيت، إما لاستخدامها في عمليات الشراء أو لتبديلها بالدولار. ساعدهم في تلك الفترة تقلص الفرق بين سعر السحوبات وسعر السوق الموازية. ومع فتح سقوف صيرفة نبشت هذه الأموال تباعاً من جديد وعادت لتدخل السوق. وبحسب خوري فان «هذه المشكلة تراجعت مؤخراً بشكل كبير حتى كادت تنتفي. فكل النقود بالليرة التي تشوبها العيوب تذهب إلى مصرف لبنان. والأخير يتلفها ويطبع مكانها عملات جديدة». من جهة أخرى يعتبر أحد الخبراء أن «سرعة تداول العملة اللبنانية وتحويلها المتكرر بين الأفراد والمؤسسات ومنصة صيرفة، ومن ثم خروجها من جديد من «المركزي» على شكل رواتب ومدفوعات، لتعود وتدور نفس الدورة هو ما تسبب بهلاكها». المعاناة مع العملات لا تتوقف عند حدود البالية منها، إنما أيضاً الجديدة جداً. فماكنات المصارف لا تتعرف على الطبعة الجديدة من فئة 100 ألف ليرة، نسخة 2022. إلا أن هذه المشكلة كان حلها بسيطاً برأي خوري، و»لم تتطلب أكثر من يوم إلى يومين من أجل تحديث برمجة الماكنات». غياب «الشحّينة» الكبار في ما يتعلق بأوراق الدولار التي تشوبها العيوب قد تكون المشكلة أكثر تعقيداً وكلفة على المواطنين تحديداً. فالمصرف المركزي لا يمكنه استبدالها بعملات نظيفة كما يفعل مع الليرة. الأمر الذي يوقع المواطنين من حملة الدولارات المهترئة ضحية منتهزي الفرص من الصرافين. حيث يشترون هذه الدولارات غير المقبولة بحسم يبلغ 5 في المئة أحياناً كثيرة، ويصل إلى حدود 20 في المئة بحسب حجم تضرر العملة. ذلك مع العلم أن هؤلاء الصرافين يسلمون الأموال إلى شركات الشحن التي تهتم بنقل هذه الأموال إلى الخزينة الاميركية لاستبدالها بكلفة أقل بكثير. «ما يواجهه المواطنون من مشاكل تتعلق باستحالة تصريف العملة الصعبة المتضررة فيزيائيا، أو حتى استبدالها في حال كانت مشرومة أو مفقوداً قسم منها، لم يكن لها وجود قبل العام 2019»، بحسب خبير المخاطر المصرفية د. محمد فحيلي. «إذ مهما كان نوع الضرر في العملة أو حجمه كانت تُسلّم لشركة مكتف للشحن، والأخيرة تسلّم البنوك أو الصرافين بديلاً جديداً عنها بكلفة لا تتجاوز 1 أو 1.5 بالألف». وبحسب فحيلي فان «من واجب الشركات التي تملك رخصة شحن أموال في لبنان (يبلغ عددها 8 شركات صيرفة يحق لها شحن الاوراق النقدية والمعادن الثمينة من لبنان وإليه) لمّ هذه الأموال وتبديلها بأخرى جديدة مقابل عمولة زهيدة». من جهته يعتبر أسد خوري أن «التضييق خلال الفترة الماضية على كبار «الشحّينة» من أمثال شركة مكتف، لم يؤد إلى فقداننا لشركات الشحن المحترمة فحسب، إنما أيضاً سمح للصرافين الصغار بأن يخترعوا أساليب جديدة لتحقيق الأرباح على حساب المواطنين». العملات القذرة وشركات التنظيف السهولة الكبيرة في تبديل العملات الأجنبية التالفة بأخرى جديدة، نفت الحاجة خلال الأعوام الماضية إلى إنشاء شركات متخصصة بتنظيف العملات وإزالة الشوائب عنها على غرار الكثير من البلدان. وقد جنبت شركات شحن الأموال المحترفة على غرار «مكتف ش.م.ل» نشوء مثل هذه الشركات التي يغلب عليها في أحيان كثيرة «طابع غير قانوني» على حد تعبير فحيلي. فـ»أحد الاجراءات الوقائية في حال سرقة الأوراق النقدية من المصارف يتمثل في وضع قنبلة تلوينية تعلّم العملات المسروقة بمجرد فتح الشنطة وذلك لتسهيل عمليات التتبع والملاحقة. ومع وجود مثل هذه الشركات المتخصصة في تنظيف العملات من الصبغات، يصبح خرق الاجراءات الأمنية والوقائية متاحاً. وهذا أمر غير قانوني». 6 نصائح لحفظ النقود الورقية في ظل توسع الاقتصاد النقدي، وأمام انعدام الثقة بشكل كلي بالمصارف يظهر أن اللبنانيين ملزمون باكتناز الاموال في منازلهم ومخابئهم السرية إلى أجل غير مسمى. ولكي لا يقعوا ضحة التخزين الخاطئ والعشوائي ويتعرضون لاستغلال بعض الصرافين، وتكبيدهم أكلافاً باهظة لاستبدال العملات التالفة بأخرى جديدة، ينصح الخبراء باتباع إجراءات بسيطة للمحافظة على نظافة النقود وحمايتها من التلف. ومن هذه الإجراءات: – رش النقود المراد تخزينها بـ «حامض البولي فينيل كلورايد» (PVC) لحمايتها من الأوساخ والرطوبة والحطام. – الاحتفاظ بالنقود بمكان بعيد عن أشعة الشمس المباشرة. – تخزين النقود الورقية في مكان بارد وجاف مثل الخزانات وخزائن الملابس، بعيداً عن الحرارة والرطوبة الزائدة. – المحافظة على جفاف الهواء في أماكن التخزين. – استخدام الآلات المزيلة للرطوبة، المتوفرة بأحجام مختلفة. أو إضافة حبيبات سحب الرطوبة بين كدسات الأموال. – وضع العملات الورقية في مظاريف بلاستيكية خاصة. وليس في الأكياس البلاستيكية العادية فمن المهم أن لا يحتوي النايلون على أي من مواد PVC . فهذه المواد تطلق مع مرور الوقت موادّ كيميائية وغازات يمكن أن تلحق الضرر بالعملات الورقية