رهام ماجد قنبر – البلاد
ليس الرقم قاسياً، القسوة كلّها في القراءة السطحية.
الأرقام في النصوص الكبرى لا تأتي عارية ولا بريئة تماماً
إنها محمّلة بتاريخ ومسؤولية ونبض مجتمع كامل.
وحين قال الله تعالى:{ للذكر مثل حظ الأنثيين } لم يكن الرقم يصرخ في وجه أحد، كان يهمس بحكمة ثقيلة،لكنّ الضجيج الحديث لا يسمع الهمس.
نحن أبناء عصرٍ يعشق المرآة، ما أراه عندك يجب أن أراه عندي، وإلا فالظلم قائم.
غير أنّ الحياة لا تُدار بالمرآة بل بالميزان، والميزان لا يقيس الوجوه… بل الأثقال.
ليست المشكلة في “الاثنين” ولا في “الواحد”.
الأرقام لا تعرف العدل ولا الظلم، الظلم يبدأ حين نقتطع رقمًا من سياقه ثم نطالبه ببراءة متعجرفة أن يشرح وحده فلسفة كاملة ونظاماً إجتماعياً ومستقبل أسرة لم تولد بعد.
في هذا النصّ لم يُقسَّم المال، بل قُسِّمت الأعباء قبل أن تُقسَّم التركة.
كأنّ الشريعة نظرت أبعد من لحظة القسمة،إلى سنوات قادمة، إلى بيت سيُبنى حجرًا حجرًا، وأطفال سيكبرون وهم لا يعرفون من أين جاء الخبز، وأمّ ستتعب دون أن تُطالَب بإثبات جدارتها بالحياة، وحياة ستطلب ثمنها كل صباح بلا رحمة.
كذلك بقوله تعالى : {للذكر مثل حظ الأنثيين}، لم يكن يتحدّث عن قيمة الإنسان، بل عن ثقل الدور.
لم يكن يرسم سلّم كرامة، بل يوزّع مفاتيح اقتصاد أسري طويل العمر.
كان يتعامل مع الواقع كما هو، لا كما نحبّ أن نراه في الشعارات.
الرجل في هذا النظام ليس “المفضَّل” بل “المطالَب”.
ليس من نال الامتياز، بل من وُضع في الصفّ الأمامي
حين تبدأ الفواتير بالوصول، وحين تتحوّل المسؤولية من فكرة نبيلة إلى عبء يومي لا يصفّق له أحد.
أُعطي أكثر لا ليعلو بل ليبقى واقفاً حين تميل الجدران.
والمرأة؟
لم تُنتقَ للنقص، بل أُعفيت من الاستنزاف.
حُفظ مالها كما تُحفظ الجذوة في مهبّ الريح، لأنها ليست مطالبة بأن تكون الوقود.
وجودها ليس مشروطاً بما تنفق،ولا كرامتها مرهونة بقدرتها على الدفع.
إن أنفقت ففضل، وإن أمسكت فحق.
وهذا فرق فلسفي عميق لا يُقاس بالكسور ولا بالأرقام.
الخطأ الشائع أنّنا نقرأ الميراث بعين الميزان فقط، لا بعين الحمل.
ننظر إلى ما أُعطي ولا نلتفت إلى ما فُرض ولا إلى ما سيُطلب لاحقاً حين يغادر النصّ الورق ويدخل الحياة.
وهنا تكمن الفلسفة التي لا يراها الغاضبون، هذا التشريع لا يصنع سباقاً بين رجل وامرأة، بل يصنع توزيع أدوار داخل سفينة واحدة.
والمشكلة ليست أن أحدهم يمسك المجداف الأكبر،المشكلة أن البحر قاسٍ، وأن السفينة إن اختلّ توازنها،
غرق الجميع دون تمييز.
الأكثر إثارة للسخرية أن هذا “الحكم الجائر” كما يُسمّى،
ليس حتى قاعدة مطلقة.
علم الميراث حين يُقرأ بصدق لا بانتقائية، يكشف أن المرأة أحياناً ترث أكثر،وأحياناً ترث وحدها،وأحياناً يُحجب الرجل تماماً.
النظام لا يسأل: أذكر أنت أم أنثى؟
بل يسأل سؤالًا أعمق وأقسى: أين تقف في خريطة الأسرة؟
وما الذي سيُلقى على كتفيك بعد القسمة؟
لكنّنا نحبّ المحاكمات السريعة، نحبّ أن نأخذ جملة ونجرّدها من سياقها ثم نطالبها أن تعتذر عن عالم كامل.
وحين نعيد قراءة الصورة كاملة تتغيّر الزاوية، نكتشف أنّ النص لم يقل: “الرجل أغلى”،بل قال: “المسؤولية أغلى”.
ولم يقل: “المرأة أقل”، بل قال: “هي غير مطالبة بأن تدفع ثمن هذا العالم من رصيدها الخاص”.
النصّ لم يأتي عبثاً،ولا الزمن الذي نزل فيه كان بسيطاً.
كان يعرف أن الأسرة كائن هشّ،وأن المال عصبها، وأن المساواة الشكلية قد تبدو رحيمة،لكنّها أحيانًا أكثر قسوة من الاعتراف بالاختلاف.
فاختار عدالة لا تلمع في الشعارات، لكنّها تصمد
حين تثقل الحياة وحين يختفي التصفيق.
في النهاية ليست القضية في من أخذ نصفاً ومن أخذ ضعفاً
بل في من سيقف طويلًا ليدفع، ومن سيسمح له النظام أن يجلس دون أن يُحاسَب.
وهذا هو الفرق بين نصّ يريد أن يُصفّق له الناس،ونصّ يريد أن يكون السقف حين تمطر الحياة.
هذه ليست مقالة لإغلاق النقاش بل لفتح نافذة.
فبعض النصوص لا تطلب منك أن توافقها فورًا،بل أن تتأنّى…
لأن الحكمة، دائماً لا تحب العجلة.
Views: 5
















