علاقاتٌ مُقلقة بين واشنطن والرياض…ماذا تخفي؟


هادي جان بو شعيا

تدخل العلاقات الأميركية-السعودية مرحلة معقّدة تثير الكثير من التساؤلات، ذلك أن الضغوط الأميركية تزداد على المملكة، بينما الرياض تنوّع علاقاتها الخارجية خصوصا مع الصين وروسيا، بعد أن كانت أهم الحلفاء الاستراتيجيين لواشنطن في كل المنطقة. فهل ثمة شيء يتغيّر بالعمق فعلا ؟

يربط واشنطن بالرياض تحالف استراتيجي وعسكري طويل، ويشير بعض مراكز الدراسات العسكرية الى أن 79 % من الأسلحة والمعدات العسكرية السعودية تأتي من واشنطن، بحيث تحتكر الرياض ما نسبته 24 % من كل الصادرات الأميركية الى العالم.  وتحتل   السعودية المرتبة الخامسة من حيث الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. لكن في العام 2003، انتقل حوالي 4500 جندي من السعودية إلى   قطر وبقي   500 جندي يتمركزون في الرياض، فضلاً عن وجود أكثر من 555 شخصية من وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” بصفة دائمة في المملكة.

هذا التحالف العسكري الاستراتيجي والعلاقات التجارية والمالية الضخمة، بين الجانبين، يتناقض تماما مع الخطوات الأميركية الحالية منذ تولي الرئيس جو بايدن الرئاسة تجاه الرياض، وهذه أبرز الخطوات اللافتة:

سحبُ الولايات المتحدة أحدث منظوماتها للدفاع الصاروخي وبطاريات صواريخ باتريوت ومنظومة ثاد الجوية من السعودية، فضلاً عن تقليص أسراب مقاتلات مخصصة للمنطقة في حزيران/يونيو الماضي.
إعلانُ وزارة الدفاع الأميركية إرجاء زيارة وزير الدفاع لويد أوستن للسعودية، التي كانت مقررة ضمن جولته الخليجية بسبب “مسائل تتعلق بالجدول الزمني للمملكة”، بينما استقبل بن سلمان في اليوم ذاته بمناسبة الذكرى العشرين لأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي ليونيد سلوتسكي.
كشفُ بايدن عن الوثائق المتعلقة بمقتل الصحافي جمال خاشقجي، الأمر الذي يتبنى عملياً وجهة نظر الاستخبارات الأميركية بشأن تورط ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان شخصياً في الأمر.
الضغوط الأميركية لإنهاء حرب اليمن بأسرع وقت ممكن والذي ترافق مع رفع الحوثيين عن قائمة الإرهاب الأميركية.
توقيعُ السعودية اتفاقية للتعاون العسكري مع روسيا، خلال زيارة نائب وزير الدفاع السعودي لموسكو، في نهاية آب/أغسطس الماضي، وصدورُ تحذير أميركي لجميع شركاء الولايات المتحدة وحلفائها لتجنب المعاملات الجديدة الرئيسية مع قطاع الدفاع الروسي بموجب قانونمكافحة أعداء أميركا من خلال عقوبات كاتسا (CAATSA).
تزامُن توقيت الاتفاقية السعودية-الروسية مع الانسحاب الأميركي من أفغانستان دفع المعلّقين للقول بأن حلفاء أميركا ما عادوا يثقون بها وهم يحكمون أنفسهم عبر مصادر أخرى.
رفعُ مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI)، السريّة عن وثيقة تتعلق بالتحقيق في مزاعم اتهام مسؤولين سعوديين بالمشاركة في هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وذلك عقب قرار بايدن رفع السريّة عن الوثائق، مُفيداً أنه تعهّد حين ترشّح للرئاسة بضمان الشفافية فيما يخص نزع السرية عن وثائق تخص تلك الهجمات الإرهابية.
موافقةُ واشنطن على أول اتفاق دفاعي كبير مع الرياض استكمالاً لعقد صيانة أسطول السعودية من طائرات الهليكوبتر لكن قيمته اقتصرت على  500 مليون دولار أميركي، بينما بلغت قيمة صفقات التسلح في خلال الأشهر الأولى لحكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب 110 مليارات دولار أميركي.
الرياض أم الأمير محمد

كل ما تقدّم يُشير الى تحوّلات في العلاقة الأميركية السعودية، لكن ثمة من يقول إن الأمر لا يقتصر على الرياض وإنما يشمل معظم العلاقة الأميركية مع دول الخليج وذلك لان إدارة بايدن تريد تركيز استراتيجيتها المقبلة ضد الصين دون النظر كثيرا الى الخلف، وثمة من يقول كذلك إن الأمر ربما يتعلق بضغوط أميركية على الأمير محمد بن سلمان وليس على المملكة، فولي العهد السعودي تحدّى هو الأخر واشنطن غير مرة وقال في آخر مقابلة تلفزيونية له انه لن يقبل أي ضغوط خارجية وان ثمة دولا جديدة صارت على الساحة العالمية وانه لو اعطي عقد النفط السعودي الى بريطانيا مثلا وليس الى أميركا تاريخيا لما كانت الولايات المتحدة الأميركية بهذه المكانة.

ما يعزّز هذا الاعتقاد هو  أن واشنطن لم تعد تعمل بنظام القواعد العسكرية دائمة الوجود بقدر ما تعتمد على نظام دوريات عسكرية أو نشر عمليات عسكرية محدودة ولفترة محددة حسب الحاجة أي لن يكون هناك استقرار عسكري أميركي في أي منطقة.

لعبة الآمم

وإذا ما ربطنا بين هذا الانسحاب وطبيعة العلاقات الأميركية-السعودية يبدو أن الحكومة الأميركية تبدأ من السعودية قبل أن تراجع بقية ملفاتها مع الدول الخليجية الخمس الأخرى.

ماذا عن إسرائيل ؟

الواضح أن السعودية من جهتها تتوقّع كل شيء، وتحضّر نفسها لانسحابات أميركية مفاجئة كما حصل مع أفغانستان، ولذلك فالرياض نوّعت كثيرا علاقاتها، فإلى الاتفاقات مع روسيا، صارت السعودية ثاني أهم شريك تجاري للصين بعد الامارات بقيمة مالية ربما تفوق 80 مليار دولار، كذلك  أشارت صحيفة واشنطن بوست إلى ما وصفته باهتمام سعودي واماراتي بشراء القبة الحديدية الإسرائيلية لكن الصحيفة قالت إنها لم  تتمكن  من الحصول على تعليق من وزارة الدفاع الإسرائيلية.  وكان سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة جلعاد اردان قد قال  في خطاب له بمناسبة مرور عام على ” الاتفاقات الابراهيمية” إن إسرائيل ستسعى إلى دعم حلفائها في الخليج عبر امدادهم بامكانياتها العسكرية لمساعدتهم على التصدي لما وصفه بـ”العدو المشترك والأول إيران . وذكر موقع جيروزاليم بوست الإسرائيلي نقلاً عن مصدر رفيع في معهد الدراسات الأمنية والقومية في تل أبيب أن منح إسرائيل لبعض أنظمتها الدفاعية للسعودية سيكون القرار المناسب من أجل التصدي للخطر الإيراني، وهو ما كانت قد  أشارت إليه أيضا صحيفة ديرشبيغل الالمانية التي اعتبرت أن دول الخليج ومن بينها السعودية في حاجة إلى إسرائيل كحليف أمني جديد لخوفها من تراجع الحماية الأمنية الأميركية في المنطقة في السنوات المقبلة.

رغم كل ما تقدّم حول هذا الاحتمال، فإن السعودية لم تُبد حتى الآن أي رغبة بالتطبيع ولا بعلاقات عسكرية مباشرة، خصوصا أن عارفي   الملك سلمان يقولون إن بلاده لن تقبل أن يتم أي تطبيع في حياته. كما ان السعودية دخلت بمفاوضات جدية مع طهران وعقد الطرفان حتى الآن 3 اجتماعات في العراق،  ولذلك تسعى إسرائيل لدفع أميركا الى زيادة الضغوط على دول الخليج لتوسّع علاقاتها معها على اعتبار انها تستطيع توفير حماية ضد إيران لو تقلّصت الحماية الأميركية، ومن غير المستبعد أن تكون زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت الى بيت الأبيض قبل أسبوعين قد تطرقت لهذا الأمر .

في المحصلة، بات جليًا أن منطقة الشرق الأوسط ستشهد في الفترة القليلة المقبلة تقلبات عديدة على ضوء عدم وضوح الرؤيا الأميركية للمنطقة، وكذلك بسبب مؤشرات تفيد بأن ثمة رغبة أميركية بتوسيع نفوذ الدول الخليجية الصغيرة على حساب الرياض، حيث تلعب قطر دورا كبيرا في أفغانستان ومع ايران، ويتمدد دور الإمارات في أكثر من اتجاه، لكن خبراء المنطقة يُدركون جيدا أن كل الدول الغربية والشرقية تعرف أن حجر الرحى لاي تعاون مع الخليج يجب أن يمر بأكبر دولة أي السعودية ذلك لأن الرياض مثلا لو أوقفت التعامل مع أي شركة أجنبية فان الشركة تفقد أهم سوق لها في كل الخليج، كما أن الرياض لو تحوّلت كليا الى الشرق، فهي تُنهي أهم تحالف تاريخي غربي في المنطقة. لذلك فمن الأفضل الانتظار قبل الحكم، لمعرفة مآلات علاقات سعودية-أميركية تبدو في مرحلة اختبار جدي يدور خصوصا حول الأمير محمد بن سلمان.  فواشنطن بحاجة للرياض بقدر حاجة هذه الأخيرة اليها.

ADVERTISEMENT

ذات صلة ، مقالات

التالي

Discussion about this post

من منشوراتنا

آخر ما نشرنا