خطة إردوغان الأخطر في سوريا: إلغاء أم تغيير في التّكتيك؟

 جو غانم

لم تحقّق العمليات العسكرية التركية أهدافها الـ4 بالشكل الذي يريده إردوغان، إذ بقيت الخطّة الرئيسية التركية التي تهدف إلى وصل تلك الجزر المحتلة والسيطرة على عموم المساحة الممتدة من منطقة عين العرب”كباني” في ريف اللاذقية غرباً إلى أقصى الشرق عند القامشلي والمالكية.

في الفترة الممتدة بين العام 2016 والعام 2020، أقدم الجيش التركي على شنّ 4 عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية في منطقي الشمال والشمال الشرقي، إذ بدأ في شهر آب/أغسطس 2016 عملية سمّاها “درع الفرات”، ثم عملية “غصن الزيتون” في كانون الثاني/يناير 2018، تلتها عملية “نبع السلام” في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019، ختاماً بعملية “درع الربيع” في شباط/فبراير من العام 2020، وكلّها تحت ذريعة “حماية الأمن القومي التركي”، الذي يشكل “حزب العمال الكردستاني” خطراً كبيراً عليه.

استهدفت عملية “درع الفرات” المنطقة الواقعة بين نهر الفرات شرقاً ومنطقة أعزاز في الريف الحلبي – الإدلبي غرباً. وقد أدت إلى احتلال مناطق في ريف حلب الاستراتيجي، أهمّها مدينتا جرابلس والباب والريف المحيط بهما.

ونتج من عملية “غصن الزيتون” احتلال تركيا والجماعات المسلحة الموالية لها مدينة عفرين وريفها، ومنطقتي راجو وحندرس والمجمعات الزراعية والسكنية التابعة لها. أما عملية “نبع السلام”، فقد أفضت إلى سيطرة تركيا على مناطق في تل أبيض ورأس العين في ريفي الرقة والحسكة، وجزء من طريق “إم 4” الذي يصل بين حلب والحسكة في منطقة شرقي الفرات.

وقد أدت عملية “درع الربيع” (شباط/فبراير 2020) إلى تقدم القوات التركية والفصائل الموالية لها باتجاه ريف محافظة الحسكة، وتوقفت عند اتفاق تركي – روسي لتسيير دوريات مشتركة على طريق “إم 4″ الشرقي، لمنع أي تقدم لـ”قوات سوريا الديمقراطية” باتجاه الريف الحلبي أو الحدود التركية.

واستطاعت أنقرة من خلال تلك العمليات فصل المناطق التي تسيطر عليها قوات “قسد” الكردية عن بعضها البعض، بادعاء منع إقامة كانتون كردي يمتد من تخوم ريف إدلب غرباً إلى المالكية شرقاً، ويشكل خطراً كبيراً على “الأمن القومي التركي”، كما تذرعت أنقرة دائماً، في الوقت الذي تقدمت قوات الجيش العربي السوري والقوات الحليفة لها باتجاه تل رفعت ومنبج في الريف الحلبي، ومنعت القوات التركية من التقدم في منطقة يعتبرها النظام التركي استراتيجية جداً بالنسبة إليه، الأمر الذي أبقى المناطق التي احتلتها تركيا كالجزر المنفصلة عن بعضها البعض، ومنع إقامة شريط محتل متكامل ومتصل، وهو ما لم ينسه إردوغان أبداً أو يسكت عنه.

كان إردوغان قد عبّر غير مرة عن أطماعه الحقيقية في سوريا والعراق، وعن أحلامه الرامية إلى اقتطاع مساحات واسعة منهما، باعتبارها مناطق عثمانية. ولم يكتفِ رأس النظام التركي بالتوغلات العسكرية وبشنّ الهجمات على الأراضي السورية، بل احتضن منذ بداية الحرب السورية جل الجماعات الإرهابية المسلحة المعادية للدولة السورية، وعمل على تدريبها وتسليحها، ناهيك بسعيه منذ الأيام الأولى للأزمة في سوريا إلى دفع مئات الآلاف من السوريين إلى النزوح عن أراضيهم للضغط على دمشق، وابتزاز العالم كله بمسألة اللاجئين بكلّ الوسائل الممكنة.

وقد تحولت الجماعات المسلحة السورية والأجنبية إلى أداة تركية تقاتل بالنيابة عن أنقرة وبإسنادها، أو جنباً إلى جنب مع الجيش التركي، إذ بلغت النقاط العسكرية حتى العام 2019 مشارف مدن حلب وحماه واللاذقية، ونقاطاً متقدمة جداً في ريفي الرقة والحسكة، إلى أن استطاع الجيش العربي السوري وحلفاؤه تحرير الكثير من تلك المساحات، ومحاصرة النقاط التركية، ثم طرد حامياتها، وصولاً إلى نهاية العام 2019.

لم تحقّق العمليات العسكرية التركية أهدافها الـ4 بالشكل الذي يريده إردوغان، إذ بقيت الخطّة الرئيسية التركية التي تهدف إلى وصل تلك الجزر المحتلة والسيطرة على عموم المساحة الممتدة من منطقة “كباني” في ريف اللاذقية غرباً إلى أقصى الشرق عند القامشلي والمالكية قائمة، بيد أنَّ الظروف العسكرية في الميدان السوري، والسياسية في الميدان العالمي، شكَّلت عقبة أمام تحقيق هذه الخطة.

لكنَّ إردوغان، كعادته، لم يوفر أيّ فرصة سياسية في المسرح المحلي أو الإقليمي أو العالمي، إلا وحاول استغلالها للضغط من أجل السير قدماً في خطته تلك، إلى أن انطلقت شرارة الحرب في أوكرانيا، وما نتج منها من توترات واختلالات في المسرح الدولي، وسعار أميركي – غربي في وجه موسكو، ليعود إردوغان إلى طرح خطته في وجه العالم، مستغلاً حاجة الغرب له كقوة إقليمية يمكنها الضغط على موسكو والمشاركة في حصارها ومواجهتها في الإقليم، كما حاجة روسيا له اقتصادياً ولوجستياً على أكثر من صعيد.

ومع اقتراب موعد الانتخابات التركية، وتحول مسألة اللاجئين السوريين إلى مادة للهجوم على إردوغان وحزبه في الداخل، وسعي السويد وفنلندا إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ومعارضة أنقرة هذا السعي، بذريعة أن الدولتين تستقبلان “عناصر إرهابية” كردية، وتقدمان الدعم للكرد في سوريا والعراق، بدأ الرئيس التركي في الأسابيع الأخيرة بإعادة التلويح بعملية عسكرية جديدة في الشمال والشرق السوريين، ومهّد الأمر بعملية عسكرية في شمالي العراق.

لقد أراد إردوغان ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، من خلال تصعيد تصريحاته وتهديداته المتعلقة بهذا الأمر، إذ هدف إلى إعادة اللعب بورقة اللاجئين بشكل معاكس هذه المرة، وأعلن عزمه على إعادة أكثر من مليون لاجئ سوري إلى “منطقةٍ آمنة” ينوي إقامتها في الشريط الممتد من ريف اللاذقية إلى ريف الحسكة، وهو هدف استراتيجي توسعي وانتخابي في آن، كما أراد ابتزاز الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموماً، من خلال مقايضة عملية عسكرية كهذه بموافقة أنقرة على انضمام فنلندا والسويد إلى “الناتو”.

من جهة أخرى، أراد إردوغان اختبار موسكو أو مقايضتها بعدم الانخراط التركي في حصارها أو العمل ضدها في الحديقة الروسية، وتسهيل مرور سفنها وطائراتها العسكرية في الممرات المائية والجوية التركية، كما أراد اختبار الحالة العسكرية الروسية في سوريا تحديداً، وخصوصاً بعد تصاعد الحديث الغربي عن نية موسكو سحب أعداد من قواتها وطائراتها العسكرية العاملة في الأراضي السورية، لحاجتها إليها في الحرب في أوكرانيا. ومن جديد، فتح إردوغان “بازاره” المعتاد أمام الجميع.

اعتبر إردوغان أن الفرصة الدولية مناسبة جداً للقيام بعملية أخيرة أو لاستكمال كلّ العمليات التي بدأها سابقاً بهجوم شامل يهدف إلى احتلال منطقة بعمق 30 كم وطول 432 كم، وذلك لربط جميع مناطق الاحتلال التركي ببعضها البعض، الأمر الَّذي يستلزم احتلال مناطق تل رفعت وعين العرب ومنبج وعين عيسى ومطار “منغ” العسكري وسد تشرين، ومناطق بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، بحيث يسيطر الجيش التركي والفصائل المسلحة السورية الموالية له على طول الشريط بين إدلب والحسكة، مروراً بأرياف حلب والرقة، على أنْ تُستكمل الخطة باحتلال منطقة القامشلي، وصولاً إلى المالكية على المثلث الحدودي السوري العراقي التركي، وتكتمل “المنطقة الآمنة” المزمع إقامتها، وطرد الكرد إلى خلف كلّ تلك المناطق باتجاه العمقين السوري والعراقي.

وقد بدأ الجيش التركي بالفعل بتنفيذ خطة عسكرية في شمالي العراق تصبّ أهدافها في سلة الخطة التركية لشمالي سوريا وشرقها. كذلك، قامت المدفعية التركية وراجمات الفصائل الموالية لأنقرة بتنفيذ هجومات وقصف مدفعي في ريف منبج وتل رفعت، لاختبار جميع الأطراف العسكرية الموجودة في المنطقة، وعلى رأسها دمشق وموسكو وواشنطن.

اعتبر إردوغان أنّ كفة انضمام فنلندا والسويد إلى “الناتو”، ومواجهة روسيا بكل القوى العالمية الممكنة، ومنها تركيا، ستزن أكثر بكثير من كفة الكرد السوريين في ميزان واشنطن، وبالتالي ستضطر الأخيرة إلى الرضوخ والموافقة على خطته العسكرية تلك.

وافترض أن الوضع العسكري الذي تواجهه موسكو في أوكرانيا، وحاجتها لتركيا على أكثر من صعيد، قد تدفع روسيا إلى تقليص وجودها العسكري في سوريا، وخصوصاً في المنطقة الشمالية الشرقية، وهو الوضع الذي اعتبره مثالياً للعودة إلى الخطة القديمة، لكن الأحداث لم تجرِ على هذا النحو فوق طاولات السياسة والميدان، إذ لم تستطع أنقرة الحصول على ضوء أخضر أميركي للقيام بهذه العملية، بل حذرت واشنطن من فوضى عارمة في المنطقة الشرقية قد تؤدي إلى قتال مرير بين الكرد والأتراك، وإلى اضطراب شديد في المخيمات والسجون التي تحوي عناصر متطرفة.

كذلك، قد يؤدي الأمر بالكرد إلى اللجوء إلى دمشق وموسكو وطلب مساندتهما، كما أن الدول الغربية لن تسمح باحتلال تركي لكل هذه المساحة من الدولة السورية على حساب حلفائهم الكرد.

من جهتها، ردت موسكو في الميدان مباشرةً، واستقدمت تعزيزات عسكرية ملحوظة إلى المنطقة الشرقية، وخصوصاً إلى مطار القامشلي ونقاط التماس على الحدود بين أرياف الحسكة وحلب والرقة، وزادت في الأيام الأخيرة من طلعاتها الجوية فوق المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة الموالية لأنقرة في ريفي حلب وإدلب على وجه الخصوص، وقامت المقاتلات الروسية بإطلاق قذائف صاروخية فوق بعض تلك المناطق، في رسائل تحذيرية لأنقرة وأدواتها المحلية.

لكنَّ أهم ما في الأمر هنا، أن صاروخاً أطلق من بارجة بحرية روسية، قبل منتصف ليل الأربعاء، الأول من حزيران هذا الشهر، استهدف واحداً من أكبر مخازن الأسلحة شمالي إدلب، وأحدث انفجارات متتالية ومدمرة أدت إلى مقتل العديد من قيادات وأفراد ميليشيا “فيلق الشام” التي ترعاها أنقرة.

واضطرت المروحيات التركية إلى الهروب باتجاه الداخل التركي، نظراً إلى كثافة القذائف والصواريخ التي بدأت بالانفجار تباعاً في المكان، والتي سقط بعضها داخل الأراضي التركية. ويمكن اعتبار هذا الصاروخ الروسي المدمر أحد أهم رسائل النار الروسية لإردوغان في هذا التوقيت بالذات، وخصوصاً بعد تصريحات الرئيس التركي، عقب اجتماع برلماني في أنقرة عصر اليوم نفسه، إذ قال إنَّ “تركيا ستبدأ مرحلة جديدة لتأمين عمق 30 كيلومتراً لحدودها مع سوريا”، وإنها ستعمل على “تطهير تل رفعت ومنبج”، وستعمل خطوة خطوة في مناطق أخرى، وأكد إردوغان أن أنقرة “لا تنتظر إذناً من واشنطن”، وأنها “سترى من سيقف مع عمليتها الأمنية المشروعة تلك ومن سيعارضها”.

من جهة أخرى، عزَّز الجيش العربي السوري استعداداته العسكرية في ريفي حماه وإدلب. والأمر اللافت هنا هو إرسال فرقة كاملة من قوات النخبة إلى البادية السورية. وتشير المعطيات إلى أنَّ أهداف العملية السورية تلك لن تقتصر على تمشيط البادية من عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي، بل قد تبلغ ريف دير الزور، وصولاً إلى مدينة الحسكة وريفها، وذلك للوصول قبل القوات التركية أو الفصائل العاملة لديها إلى الشرق، في ما يشبه سباقاً عسكرياً محموماً للسيطرة على الشرق السوري، إذا ما جرى اللعب بالميدان من طرف أنقرة.

كلّ تلك المعوقات العسكرية والسياسية الدولية دفعت أنقرة إلى تأجيل العملية العسكرية بالطريقة التي كانت قد خططت لها، لكن يمكن القول، وبناءً على تحركات الميدان وقراءة التعليمات التركية التي صدرت للفصائل المسلحة العاملة في المنطقة في الأيام الأخيرة، كما تصريحات رأس النظام التركي الأخيرة يوم الأربعاء، إنَّ إردوغان لم يتخلَّ عن العملية أبداً، بل هو ماضٍ في جمع وتأمين كل الأدوات السياسية والعسكرية اللازمة للبدء بها.

وفي هذا الوقت المستقطع، ستعمل القوات التركية وميليشيا السوريين الذين جمعتهم أنقرة تحت عنوان “الجيش الوطني”، بمحاولة قضم بعض الأراضي في ريفي حلب والرقة على وجه الخصوص، وتحديداً لجهة تل رفعت ومنبج في الريف الغربي لحلب، وكذلك في تل أبيض ورأس العين باتجاه الشرق.

وستعمل أنقرة على استكمال عملية تعويم زعيم تنظيم “القاعدة” (هيئة تحرير الشام) أبو محمد الجولاني، وتقديمه للعالم باعتباره قائداً سياسياً معتدلاً ويمكن العمل معه، وهو الأمر الذي لا تعارضه واشنطن، بل تعمل عليه بدورها، وخصوصاً بعد خدمات الجولاني المرتبطة بتسهيل قتل زعيمَي “داعش” البغدادي والقرشي.

وسوف تدفع أنقرة الجولاني إلى التقدم والقضاء على الفصائل التي لا ترضى عنها واشنطن، ومنها فصيل “أنصار الإسلام” الذي يسيطر على بعض المناطق في أرياف حلب وإدلب، والتقدم باتجاه بعض المواقع العسكرية السورية بغية احتلالها، وستعمل أنقرة على إعادة عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى تلك المناطق، ووضع العالم أمام عملية “الابتزاز باللاجئين” مرة أخرى. وقد أعلنت وزارة الداخلية التركية بالفعل، يوم الأربعاء ذاته، ترحيل 503 لاجئ سوري إلى سوريا “بشكلٍ طوعي”.

لن تتوقّف أنقرة عن ممارسة الضغط على واشنطن والغرب إلى أن تحصل على كل ما تستطيع من مغانم سياسية واقتصادية وتوسعية، لكنَّ حسابات أخرى أكثر أهمية وقوة من الحسابات الغربية تخص الميدان السوري ستبقى عقبة أمام طموحات أنقرة، إذ لن تسمح دمشق وحلفاؤها بأي تغيير في الميدان الآن إلا بما يتوافق مع خطة دمشق وحلفها في تحرير كامل الأراضي السورية، وهي خطة ترى دمشق أنَّها تسير في مصلحتها على المدى المتوسط، وخصوصاً أن استعداداتها العسكرية متكاملة على جميع الجبهات في الشرق والشمال، وهي من جهتها، ترى أنَّ الصراع في أوكرانيا ذاهب باتجاه فرض قواعد دولية جديدة ليست في مصلحة أعدائها.

وفي النتيجة، سيذهب حلف دمشق باتجاه المواجهة العسكرية فوراً، في حال أقدمت أنقرة على مغامرتها الجديدة، وسيكون الجيش التركي مضطراً إلى مواجهة سوريا وإيران وموسكو وفصائل المقاومة (بما فيها الحشد الشعبي العراقي)، إضافةً إلى الكرد، دفعة واحدة.

ويمكن التأكيد أن الفرقة السورية المدرعة، المصحوبة بالطيران السوري والروسي، التي توغلت في البادية، ستكون أول الواصلين إلى الحسكة عند أول اندفاع تركية باتجاه الشرق أو حلب.

وقد يعمد الكرد إلى تسليم مواقعهم للجيش السوري، في حال عجزت واشنطن عن احتواء الذئب التركي، وذلك سيعني أن القوات الأميركية التي تحتل مساحات من الأراضي السورية ستكون أمام خيار واحد، هو الفرار.

الميادين نت

ADVERTISEMENT

ذات صلة ، مقالات

التالي

Discussion about this post

من منشوراتنا

آخر ما نشرنا