سوريا والعراق .. مصائب قوم عند قوم فوائد … كتب الصحفي في البلاد : أحمد العيادي

       

لا مجال للشكّ أنّنا جميعا نتّفق مع مقولة وزير الخارجية السوري الدكتور وليد المعلم في مؤتمره الصحفي مع نظيره العراقي منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول المنصرم حين ختم بالقول :" يعني أنا توقعت تسألوا على هذا, شو إسمو الصحفي؟, (خاشقجي) , مو هاممكن؟ , ولا أنا" … لكن لا يخفى على أحد أنّ هذه القضية بالذات وغيرها من القضايا تطابقت كليّا مع مقولة "مصائب قوم عند قوم فوائد".

   
لست هنا للحديث عن سبب إغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي أو كيفية قتله أو تداعيات هذا الحدث الخطير, بل أقصد الحديث على أنّ هذه الحادثة كانت بحدّ ذاتها سببا رئيسيّا في توجيه نظرة الرأي العام العالمي من سوريا والعراق إلى وجهة أخرى وإهتمامهم بتلك القضية وغيرها وأصبحت سوريا والعراق في خبر كان.

فمنذ أكثر من شهر, لم تعد سوريا ولا العراق يتصدران عناوين ونشرات الأخبار والبرامج الحوارية والمقابلات السياسية والإذاعات أو حتّى المقالات الصحفية والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الإجتماعي على صعيد الإعلام العربي أو الدولي, وبات كل الحديث فقط عن قضية خاشقجي وإمكانية فرض العقوبات الأمريكية أو الأوروبية المزعومة على السعودية وأصبح الحديث عن سوريا والعراق خبرا عابرا أو يكاد لا يذكر خبرهما أبدا.

لا تقف الفائدة من هيمنة قضية خاشقجي على سوريا والعراق في حدود الإعلام بل تجاوزت أمورا كثيرة أهمّها المجال الإقتصادي والسياسي والأمني, فقد تم في هذه الفترة فتح معبر نصيب الحدودي بين سوريا والأردن والحديث عن صفقات إقتصادية سورية-عراقية وفتح المعابر بين البلدين كذلك صفقات إقتصادية وزيارات سياسية من دول أخرى, ناهيك أيضا عن أمور سياسية تحصل تحت الطاولات وبنود إتفاقات و تحضيرات عسكرية لدحر ما تبقى من فلول ارهابية في إدلب وشرق الفرات, كذلك تواصل عودة النازحين السوريين لوطنهم ومؤتمر سلم و مقاومة إرهاب في دمشق و غيرها من الأمور, أيضا قمة روسية تركية فرنسية ألمانية في إسطنبول لدراسة الوضع في إدلب لم تطغى كثيرا على وسائل الإعلام, فلو كانت قضية جمال خاشقجي غير موجودة, لكان كل ما ذكرته مما حصل يشغل العالم ولكانت وسائل الإعلام المعادية تسعى بكل قوّتها إلى إفشال ما يمكن إفشاله عبر التضخيم الإعلامي.

بطبيعة الحال, فأنا لا أتحدث عن قناة المقاومة والإنتصار والتحرير الميادين أو قنوات محور المقاومة, هذه القنوات التي لم تدّخر جهدا منذ إنطلاقتها أو إثر بدأ العدوان العالمي على المحور الممانع سنة 2011 إلى رفع صوت الحق و فضح ألاعيب العدو وتعرية القوى الإقليمية العميلة والخائنة, بل أقصد قنوات العدوان العالمي على هذا المحور المقاوم. تلك القنوات التي لم تهدأ يوما ولم يرتاح لها بال في أيّ لحظة لفبركة الأكاذيب وسَوْق الأخبار العارية عن الصحة بلا ضمير إعلامي حيّ ولا إحترام للمواثيق والمبادئ التي تنص عليها نصوص الضمير الصحفي و المهني, حيث كان الأساس في عملها " على قدر ما تدفع أكثر, على قدر ما أسوق الكذبة بطريقة أكبر".

رغم كل ذلك فإنّ لقضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي جانبا سيئا للغاية, حيث باتت تهيمن أيضا في أخبار تلك الوسائل الإعلامية على تمرير بعض القوى الدولية والإقليمية لصفقة القرن البالية, فباتت أخبار مسيرات العودة وشهداءها وجرحاها وإنتفاضة السجون لدى أسرانا وأسيراتنا والعدوان الصهيوني على غزة المحررة المحاصرة بين الفينة والأخرى وردّ المقاومة الفلسطينية بقصف الداخل المحتل كذلك قضية إنتصار أهالنا في الجولان العربي السوري المحتل وإفشالهم لما سمّي بالإنتخابات المحلية الصهونية شبه معدومة الحديث عنها, أيضا سعي عديد الدول الخليجية كقطر وعمان والبحرين والإمارات والسعودية لإعلان التطبيع مع الكيان الصهيوني ممنوع الغوص فيها بل وجب الحديث عنها بأجمل ما يكون حيث وصل الإعلاميون و الساسة في الخليج إلى إصدار تصريحات و تحليلات يزعمون فيها كذبا وزورا " أنّ للصهاينة الحق في فلسطين وأنّ ما سمّوه ب "إسرائيل" موجودة وهذا يجب الإعتراف به".
لكن يمكننا الحديث مع هذه القضية التي شغلت الرّأي العام الدولي عن قضايا أخرى, فمثلا العقوبات الأمريكية على الجمهورية الإسلامية في إيران والرّد الإيراني السياسي والشعبي العظيم على هذه العقوبات في مسيرات يوم مقارعة الإستكبار العالمي. أيضا الحديث لدى بعض وسائل الإعلام تلك عن اليمن والعدوان السعودي-الإماراتي بدعم دولي عليه فقط من منظور يخدم مصالحهم وسياساتهم وليس خوفا أو بكاءا على شعب اليمن المظلوم الذي لم تبقى موبقة في هذه الدنيا سمعنا بها أو لم نسمع بها من قبل إلاّ وحصلت معه من تجويع وقهر وقتل وتدمير وغيره. ناهيك عن أنّ أخبار الحكومة اللبنانية قيد الإنشاء والإنتخابات الأمريكية الداخلية المقبلة تأخذ حيّزا لا بأس به من النشرات الإخبارية.
   
أختم هنا بالقول, أنّ قضية خاشقجي خاصة, كشفت اللّثام عن حقائق كثيرة بالأخصّ أنّ معظم الإعلام العربي مأجور بوضوح وأنّه لا يتكلم في قضية إلاّ وكان المموّل الرئيس له لديه مصلحة معيّنة وراء ذلك التضخيم الإعلامي. لذلك ليس العيب الكبير في تلك الماكينات الإعلامية ومن يموّلها أو يديرها من وراء الكواليس لأنّها في نهاية المطاف تخدم سياسات معيّنة, بل العيب في بعض الإعلاميين الّذين أصبحوا بلا ضمير إعلامي أو مهني جلّ ما يهمّهم المال الوفير والشهرة وأيضا العيب في المتابع الذي يشاهد ويصدّق دون تحليل أو تدقيق أو شكّ ولو قليلا ليصل للحقيقة.

المصدر : صحيفة البلاد

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *