البطاقة الذكية ليس مؤشراً على وجود أزمة اقتصادية طويلة

البطاقة الذكية ليس مؤشراً على وجود أزمة اقتصادية طويلة التجربة مطبقة في دول كثيرة.. وحل مناسب في ظل استعار الحرب الاقتصادية من عقوبات وحصار جائر

رافقت خبر وصول البطاقة الذكية إلى المواد التموينية حالة من التهكم على مدار أيام حفلت بها صفحات التواصل الاجتماعي، وكثرت تعليقات توحي بوصول البطاقة الذكية إلى مخصصات المواطنين من مواد تستخدم يومياً كالفلافل مثلاً، وكثرت التعليقات الساخرة أيضاً عن الكميات المحدودة التي سيتم توزيعها خاصة إذا ما كانت التجربة تشبه تجربة استخدام البطاقة الذكية لتوزيع الغاز.
ولكن هذا لم يحجب أيضاً حالة القلق التي شعرت بها أغلبية الناس خاصة ممن عاصر استخدام القسائم التموينية وحصار فترة الثمانينيات، وشعور الأغلبية بأن هذا مؤشر على نقص المواد أو طول زمن هذا الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه كل الناس، مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار الدولار ومن ثم الأسعار عامة.
تجربة البطاقة الذكية تمددت من استخدام البنزين إلى المازوت ثم الغاز والآن الأرز والشاي والسكر، ما أسباب هذا الإجراء وما آراء المعنيين والمختصين في استخدام البطاقة الذكية؟

التطبيق سيئ
أكثر من مئة شخص من مختلف الشرائح، استطلعت (تشرين) آراءهم في البطاقة الذكية وما قدمته للمواطن، وهل هم راضون عن خدماتها، فكانت لأغلبية الإجابات تصب في خانة واحدة، وهي أن البطاقة الذكية إجراء جيد في مثل الظروف الاستثنائية التي تمر فيها البلاد حالياً، لأنها تقنن استهلاك المواد التي نعاني شحها، ويفترض أن تحقق العدالة بين المواطنين، لكن تطبيق الفكرة سيئ ولم يؤدِّ الغرض المطلوب، بل زاد الطين بلة، لعدة أسباب، أولها الازدحام الشديد الذي تتسبب به عند توزيع مقنناتها، وعلى رأسها مادة الغاز المنزلي، وما يتسبب به هذا الازدحام من مشاكل، ناهيك بالتعب من الوقوف ساعات أحياناً، إضافة إلى شح المادة الموزعة، ما يجعل الكثيرين يعودون إلى منازلهم من دون الحصول على المادة الموزعة.
ومن المستطلعة آراؤهم، قال ماهر ميهوب: عند طرح أي خدمة جديدة يجب التأكد من أولويتها، وإمكانية تطبيقها، ومن توفير كل الدعم اللوجستي للخدمة، ووضع خطة لإطلاقها مقسمة الى ثلاث مراحل (تحضيرية- إطلاق – ما بعد الإطلاق) وتشمل الخطة جميع التفاصيل من الحملات الإعلامية المرافقة وإقامة جميع التجارب على الخدمة قبل إطلاقها ودراسة جميع الحالات والاحتمالات لعدم تعريض المواطن لأي مشقة، لأن الغاية أولاً وأخيراً هي راحة المواطن، ورأت يارا نبيعة أن أحد أهداف البطاقة الذكية -في رأي من ابتكرها -هو الحد من جشع التجار بمختلف اختصاصاتهم، لكن ما حدث هو استغلال بعض الشواذ إساءة استخدامها، إضافة إلى أنها لم تراع عدد أفراد الأسرة فأعطت العائلة المكونة من 3 أو 4 أشخاص كما أعطت العائلة المكونة من 6 أشخاص وما فوق، فقام التجار باستغلال حاجة الناس للمواد وخصوصاً المحروقات.
زين ابراهيم حميدوش قال: ما الفائدة من البطاقة الذكية إذا كان علي تسجيل اسمي ودوري عند المختار لأحصل على المازوت؟ أو التسجيل عند معتمد الغاز للحصول على حصتي؟ أين الفائدة منها إذا كنا سنبقى تحت رحمة التاجر والموزع؟
ورأت حنين أبو الخير أن المشكلة ليست في البطاقة في حد ذاتها، وإنما في قلة المواد التي أصبح الحصول عليها مرهوناً بوجود البطاقة، نتيجة استغلال التاجر حاجة الناس الشديدة للمواد وخاصة الغاز المنزلي.
وعبر أحمد الرحبي عن إعجابه بفكرة البطاقة التموينية المطبقة في مصر، متمنياً تطبيق النموذج ذاته في سورية، موضحاً أنه يتم تحميل البطاقة شهرياً مستحقات الأسرة بكامل عدد أفرادها من الدقيق والخبز والسكر والزيت والغاز، ويتم الحصول على هذه المواد من البقاليات، وفي نهاية الشهر، إن بقي من كمية إحدى المواد التي لا يحتاجها حامل البطاقة، بالإمكان استبدالها بمواد أخرى هو بحاجتها.
ويرى تمام الصالح أن البطاقة الذكية فكرة مساعدة جداً للدولة في ضبط تسليم الأصناف المدعومة من قبلها للمواطن، إذ يمكن مقارنة الكميات المسلمة للمواطنين بالكميات المطروحة من قبل الحكومة، وهنا نتحدث عن كمية مهولة من البيانات التي تساعد في معرفة أدق التفاصيل عن معيشة المواطن إن وجد من يعرف كيفية استخراجها.
تحت الصفر!
الخبير الاقتصادي والصناعي السوري شادي دهام يتحدث عن الوقع النفسي الذي أحدثته البطاقة الذكية عندما توسعت لتشمل الرز والسكر والشاي، وعن الربط بينها وبين البونات التي استخدمت لمواجهة الحصار الاقتصادي في مرحلة الثمانينيات والضائقة الاقتصادية الخانقة في تلك المرحلة، في حين هدفت الحكومة من مشروع البطاقة الذكية إلى تحديد كمية الاستهلاك، وتوفير المواد الاستهلاكية في ظل هذه الظروف الراهنة.
ويرى الخبير دهام أن تجربة البطاقة الذكية نجحت في مجال المحروقات وتمكنت الحكومة من إيقاف تهريب المازوت والبنزين إلى الدول المجاورة وخاصة لبنان، لأن أسعارها المحلية كانت زهيدة، وأصبحت المادتان متوافرتين على عكس مشاعر المواطن الحالية من توزيع المواد التي حددتها التجارة الداخلية على البطاقة الذكية والتي شعر البعض بأنها تحد من حرية الشراء، خاصة مع ارتفاع الأسعار الكبير في الأسواق .
ولكن في ظل الظروف الحالية وصف الخبير دهام هذا الإجراء بالجيد كإجراء احترازي في ظل ارتفاع الأسعار وعدم ضبط سعر الصرف الذي يتساءل الناس كل يوم عن سعره وفيما إذا كان هذا السعر خيالاً أم حقيقة؟
يضيف دهام أن الحكومة قررت تأمين بعض المواد الأساسية، علماً أن هنالك الكثير من الأمور التي يجب ضبطها من قبل الحكومة أيضاً ومنها موضوع تذبذب سعر الدولار الذي يحول دون القيام بالكثير من النشاطات الاقتصادية وفي مقدمتها الاستثمارية، كما يجب على الحكومة أيضاً أن تكف أيدي الحيتان، ولا تمنحهم التسهيلات، إضافة لمنع التهريب الذي يحارب المنتج المحلي، التركي منه خاصة.
وأضاف دهام أن تجربة البطاقة الذكية مطبقة في العالم، وهي متطورة في بلدان كثيرة وتغني عن الدفع «الكاش»، ونأمل ربطها مع المصارف، ولكن المشكلة في ضرورة تعزيز الثقة بالتدخل الإيجابي للحكومة، لضبط حالة الخوف مع تفاوت الأسعار في كل ساعة وارتفاعها.
نوعية المواد
نوعية المواد التي سيتم بيعها كانت محط تساؤل أيضاً من قبل الكثيرين، الخبير المصرفي والاقتصادي عامر شهدا يقول إن التساؤل مشروع، فالناس يتخوفون من استيراد نوعيات أقل جودة لتوزيعها بتلك الطريقة، ويضيف أن صفقات الاستيراد ستكون مقدرة بالمليارات، لذلك فإنه من الضروري الإعلان عن الكميات التي سيتم استيرادها وربط ذلك بالحاجة الحقيقية وفق عدد السكان الفعلي وتناغم الكميات مع ذلك العدد منعاً للهدر، سواء على مستوى المادة أو على مستوى القطع الأجنبي. وعن اعتماد الأسرة أساساً لتوزيع تلك الكميات يقول شهدا إنه من الضروري الآن أن يتم الإعلان الحقيقي عن عدد السكان وعدد الأسر، ويشير إلى أن عدد الأسر في البلاد قبل الأزمة كان يقدر بنحو 4.5 ملايين، ويؤكد أنه من الضروري إعلان عدد السكان الفعلي حالياً مع عدد الأسر ضمن المناطق التي سيطبق فيها توزيع تلك المواد حسب البطاقة الذكية، «حرصاً على عدم هدر ملايين الدولارات التي ستمول استيراد هذه المواد الأساسية» كما يقول شهدا متسائلاً عن العدد الفعلي للمهاجرين الذين غادروا البلاد.
يقول شهدا إن الحكومة تتدخل لكن السوق لا يستجيب خاصة أن الأسعار في مؤسسات التدخل ليست أقل من مثيلاتها في السوق، وهو ما يسميه شهدا استنزافاً، فالتدخل الإيجابي كما يرى هو «وضع برنامج وسياسة يمكن عبرها السيطرة على الأسعار والأسواق، أما التدخل إيجابياً من دون نتائج فهو استنزاف ومضيعة للوقت».
ليست مؤشراً
معاون وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك رفعت سليمان أكد أن استخدام البطاقة الذكية في توزيع المواد الغذائية ليس مؤشراً على وجود أزمة اقتصادية طويلة وإنما هي أداة ضبط وضمان التوزيع العادل وخلق المنافسة، وكذلك تحقيق سعر متوازن لمصلحة المواطنين، ويرى أن من دواعي استخدامها أيضاً ضبط العمل وخلق المنافسة كما إنها تمنع الاحتكار والتزوير، وفي المقابل تعمل السورية للتجارة على مبدأ التدخل الإيجابي لتحقيق استقرار الأسواق، علماً أن البطاقة تعد أداة لتطوير العمل وتمكن من ضبط المخرجات والمدخلات ، مشيراً إلى أن الهدف من استعمالها هو تحقيق الضبط وضمان توزيع المواد على مستحقيها والحد من التهريب والاحتكار والتزوير والقوائم الوهمية.
وأوضح سليمان أن الكميات متغيرة حسب حالة السوق وبالحد الذي يضمن استقراره ، مؤكداً أنه لا داعي لقلق المواطن فالمواد الأساسية متوافرة، لكن غاية التدخل في السوق واستخدام أدوات متطورة في العمل هي مصلحة المواطنين وبما يضمن لهم الحصول على هذه المواد بأسعار مناسبة.
معاون وزير التجارة ذكر أنه تم اتخاذ كل الاجراءات الفنية والتقنية وإنجاز البنية التحتية لاستخدام البطاقة في 1200 صالة ، و400 سيارة جوالة بسهولة مطلقة، وأكد أن مدة استخدام البطاقة غير محددة، وأنها أداة متطورة من أدوات العمل، وأن الكميات المتاحة من المواد الغذائية متغيرة حسب حالة السوق واستقرار الأسعار، مشيراً إلى أن أسعار المواد – السكر – الشاي والرز وغيرها من المواد ستباع بأسعار منافسة وبجودة عالية لتحقق مصلحة المواطن.
التدمير مع العقوبات
دكتور الاقتصاد سنان علي ديب أكدّ أنّ نتائج الحرب وتداعياتها تعجز عنها أغلب البلدان المتقدمة، خاصة عند ترافق التدمير والنهب والسرقة لمنابع الطاقة المقدرة بنحو ٦٠٠ مليار دولار، مع عقوبات لا إنسانية وحصار كبير وضغوطات لفرض أجندات سياسية معينة، ومن هنا كان لا بدّ من تضمين توزيع المحروقات ضمن تأمين حدود الضروريات عبر البطاقة الذكية، لافتاً إلى أنها كانت تجربة ناجحة وفرت على الدولة أكثر من ١٠٠٠ مليار ليرة إضافة كميات كبيرة من الوقود ومن ثم الغاز، وظلت تجربة ناجحة حتى الاقتراب من الشتاء، وزيادة الضغط الأمر الذي جعل الفاسدين يحاولون اللعب لخلق سوق سوداء عبر تأخير الدور لمن استحق وزيادة الأزمة.
ويرى د. ديب أنهم حققوا النجاح في توزيع البنزين، ولكن اللعب كان متواصلاً بالأسعار عبر متحكمين فاسدين، زاد من أثره ضعف وزارة حماية المستهلك من حيث التحكم بالأسعار، لأنها تستجر من التجار أنفسهم عبر حصة من المستوردات، ولم تستجر عبر استيراد مباشر، أو عبر مؤسسة التجارة الخارجية وتالياً هي تابعة للمتحكمين بالسوق وغير قائدة له وجاءت فكرة تخصيص بعض السلع الضرورية مثل: السكر والرز والشاي وفق مخصصات مقننة بسقف ٤ كيلو سكر و٣ كيلو رز وكيلو شاي للأسرة المؤلفة من ٥ أشخاص برغم أنّ كمية السكر قليلة ولكن هذه الطريقة تحولت إلى ضرورية وفق أسعار عادلة تتناسب مع إمكانية المواطن.
وأضاف د. ديب أن أسلوب عمل مؤسسات التجارة سيؤدي لاكتظاظ كبير، وأن العملية لن تكون كما يجب، لذا يجب ضبط عمل موظفي المؤسسة ومحاسبة من يحاول العرقلة ومن يتعاون معهم.
ورأى د. ديب أن الهدف من استخدام البطاقة الذكية هو ضبط السوق و تأمين حاجات المواطنين بأسعار مناسبة، لكنه يتساءل فيما إذا كانت وزارة التجارة ستستجر المواد عبر التجار ومحتكري المواد، أم من خلال المؤسسات الحكومية لتكون الأسعار مستقرة ومتناسبة؟
موضحاً أنّ البطاقة حل آني مناسب في ظل استعار الحرب الاقتصادية من عقوبات وحصار، وتقاطعها مع «دواعش داخليين» يحتكرون ويلعبون بالأسعار وتضارب بالدولار.
وبين أنّ ما ذكره المسؤولون بشأن إمكانية زيادة الكميات حسب توافر المواد، يشير إلى وجود نقص،يضاف هذا لوجود تلاعب في الأسعار من قبل المحتكرين.
وقال د: ديب إن البطاقة الذكية كإجراء آني هي حاجة ضرورية، ولكن إن لم يقترن العمل بها بالمتابعة والمراقبة والمحاسبة وضبط الفساد، سيكون مصيرها الفشل، من خلال تحالف محتكري المواد والأدوات الفاسدة، لذا يجب تجديد الحالة وفق الظروف والمقتضيات وألا تكون ثابتة فهي لا تلبي حاجات المواطن ، ولكنها تسد ثغرات ضمن إمكانات الدولة.
ومع ظروف كهذه لا يعرف فيها العدو الخارجي من الداخلي كان لابدّ من تضمين توزيع المحروقات عبر البطاقة الذكية نتيجة تكرار الاختناقات والأزمات وكانت الرؤية ضمن تأمين حدود الضروريات بأسعار شبه مقبولة، وفي وسط هذه الظروف جاء طرح تضمين البطاقة مواد إضافية كالسكر والأرز والشاي ولاحقاً السمنة والزيت وذلك لتواصل اللعب بالأسعار في الأسواق عبر متحكمين فاسدين وضعف وزارة حماية المستهلك ومؤسساتها وأدواتها في ضبط الأسعار وسط تصريحات فارغة من أي فعل ووسط عدم توافر النيات لذلك فكيف ستضبط وتؤثر في الأسعار وتتدخل لتخفيضها وهي تستجر المواد من نفس التجار المستوردين أنفسهم عبر حصة من المستوردات ولم تحاول أن تستجر عبر استيراد مباشر أو عبر مؤسسة التجارة الخارجية فهي تابعة للمتحكمين بالسوق وغير قائدة له، وتالياً فكرة تخصيص بعض السلع الأساسية هي حاجة وضرورة، فالسكر والرز والشاي تستعمل يومياً، وعلى الرغم من نقص الكميات التي سيتم توزيعها فإن التوقيت المناسب والتنفيذ بأسرع وقت ذكاء.
ويبقى السؤال: هل ستحافظ البطاقة على ذكائها أم ستنقهر أمام ذكاء ودهاء الفاسدين من تجار وموظفين تابعين وداعمين لهم؟
وهل ستباع هذه المواد للمواطنين بأسعار عادلة تتناسب مع إمكاناتهم؟ يجيب د. ديب إن عمل مؤسسات التجارة وعقليتها المتوارثة سوف تؤدي لاكتظاظات كبيرة ولن تكون العملية كما يجب، ومن ناحية أخرى، فإن ضبط عمل موظفي المؤسسة ومحاسبة من يحاول العرقلة ومن يتعاون معهم أمر ضروري، قد يكون تقليل الكميات وتقنينها هو نوع من التخطيط المتوسط لاحتمال زيادة في الضغوطات والحصار التي قد تفرض على بلدنا، بقصد فرض أجندات جديدة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *