دمشق تترقَّب ثمار حراك إقليميّ

 


أحمد الدرزي

يدرك اللاعبون الإقليميون في الساحة السورية أن هناك مناخاً جديداً يتشكل في هذا المشرق وخصوصاً بعد أن أيقنوا أنَّ هناك تبايناً في المصالح بين واشنطن وتل أبيب.

تترقَّب دمشق بفارغ الصّبر – بعد أن تجاوزت الكارثة السورية عقدها الأول – انفراجاً ينعكس على الداخل السوري، وتتابع الحراك الإقليمي بصمت من دون إظهار أي دور مباشر لها.

بدأت الولايات المتّحدة بوضع استراتيجيتها للحفاظ على استمرار هيمنتها على مركز القرار العالمي بعد فشلها في أفغانستان والعراق، ما دعا الإدارة الأميركية إلى تشكيل لجنة بيكر – هاميلتون التي تمثل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فخرج التقرير في العام 2006 ليشرح العجز الكبير في العراق، رغم تدمير الدولة والمجتمع فيه، وترافق ذلك مع خسارة “إسرائيل” حربها على لبنان في العام 2006، والتي شنتها بدفع من الإدارة الأميركية لإعادة تشكيل “شرق أوسط جديد”.

خاضت الولايات المتحدة معاركها في غرب آسيا، الممتدة من أفغانستان إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، بشكل مباشر، بطريقة مخالفة لتنبؤاتها ومعطياتها، وكانت تتوقع انتصاراً سهلاً بعد أن استطاعت إسقاط الاتحاد السوفياتي من الداخل، لكنها فوجئت بالاستنزاف الكبير لها، ما ترك مساحة زمنية واسعة للروس والصينيين كي يبنوا قواهم الاقتصادية والعسكرية بهدوء وغفلة عن الأميركيين المنهمكين بأزماتهم في أفغانستان والعراق بشكل مباشر، وفي لبنان وفلسطين المحتلة بشكل غير مباشر.

استندت الاستراتيجية الأميركية الجديدة إلى مخاطر الصعود الصيني من الناحية الاقتصادية والعسكرية، وتهديده المتصاعد لنظام القطب الواحد، وضرورة التحرّك إلى جنوب شرق بحر الصين ومحاصرتها في حركة تجارتها البحرية، من خلال منصات قواعدها العسكرية في اليابان وأستراليا وتايوان والفيليبين، فكان القرار بنقل ثقلها العسكري إلى تلك المنطقة.

هذا الأمر تطلّب انسحاباً لقواتها من أفغانستان والعراق والخليج، ما تطلّب بدوره ترتيب أوضاع الإقليم ونقل مسؤولية إدارته إلى بريطانيا، التي تمتلك خبرة واسعة ومعمّقة بنسيجه الاجتماعي، نتيجةً للدراسات الاستشراقية والاستخباراتية في القرن التاسع عشر، فأطلقت شرارة التغيير بدءاً من تونس، كي تتشكل بنية سياسية جديدة تعتمد على الإسلام السياسي بعناوينه الإخوانية المتنوعة، ونجحت في ذلك، إلى أن اصطدمت في سوريا بالعجز عن إسقاط نظامها السياسي المتجذّر عميقاً في مفاصل الدولة والمجتمع، وبالدخول الإيراني الروسي العسكري والاقتصادي لدعم حليفهم في دمشق، دفاعاً عن أمنهم القومي.

استطاعت دمشق أن تصمد خلال السنوات العشر الماضية، وأن تقلب مسار المعارك ابتداءً من معركة القصير في العام 2013، ليظهر ذلك بشكل متسارع بعد الدخول الروسي في أيلول/سبتمبر 2015 بقدراته العسكرية الجوية الكبيرة، ما أدى إلى إعادة سيطرتها على مناطق واسعة من سوريا، وتحقيق التواصل مع العراق، رغم التواجد العسكري الأميركي في قاعدة التنف وجنوب شرق الفرات قرب البوكمال.

تمكّنت الدولة العميقة في الولايات المتحدة من إعادة التحكّم بمفاصل السياسات الداخلية والخارجية، بعد أن استطاعت إبعاد الظاهرة الترامبية من البيت الأبيض بوسائل توجد حولها إشارات استفهام، لتنطلق باستراتيجية متجددة حول تقييم أولوية التهديدات الموجهة إليها، فكان أن خرجت بتصنيف كل من الصين وروسيا كأولوية قصوى، وهو ما تطلّب تفرغاً كاملاً لهما، بالابتعاد عن مناطق الاستنزاف المستمر لها في غرب آسيا، بعد أن أدخلت اليمن في قائمة الفشل، وكان لا بد من تحييد هذه المنطقة بآلية جديدة تعتمد على العودة إلى الملف النووي وتحييد إيران التي تشكل الضلع العسكري الثالث لكل الصين وروسيا، فحصل التواصل غير المباشر بين الطرفين قبل أن يصل جو بايدن إلى الرئاسة بعدة أشهر، واستمر بشكل متسارع بعد الانتخابات الأميركية ودخول الرئيس الجديد إلى البيت الأبيض.

أدرك كل اللاعبين الإقليميين في الساحة السورية أن هناك مناخاً جديداً يتشكل في هذا المشرق، وخصوصاً بعد أن أيقنوا أنَّ هناك توسعاً متصاعداً في هوامش المصالح بين واشنطن وتل أبيب، رغم الأولوية القصوى لـ”إسرائيل” في السياسات الأميركية بعد حرب حزيران/يونيو 1967، بل ظهر تباين المصالح بين يهود الإدارة الأميركية، الأكثر عدداً مقارنة مع الإدارات السابقة، وما تراه تل أبيب تآكلاً في دورها الإقليمي.

استطاعت موسكو أن تستغلّ الانكفاء الأميركي الواضح في غرب آسيا، لتذهب نحو نسج علاقات جديدة بين الدول المتصارعة بعنوان حل الكارثة السورية، ولَم تكن واشنطن بعيدة من هذا الحراك، وإن كان يبدو أنه حراك إقليمي أكثر منه دولياً.

تحركت موسكو في منطقة تموج بالقوى المتداخلة بشكل عجيب بفعل المصالح المتشابكة، فهناك محور طهران – بغداد – دمشق – بيروت – غزة – صنعاء، الذي أثبت قدرته على تحدي كل أشكال الحصار العسكري والاقتصادي والسياسي ككتلة صلبة متماسكة تقودها طهران. في المقابل، هناك محور أبو ظبي – الرياض – تل أبيب الذي تعرّض لانتكاسات متلاحقة في اليمن وسوريا والعراق، ومحور أبو ظبي – الرياض – القاهرة في مواجهة محور أنقرة – الدوحة الإخواني، وجميع هذه المحاور وصلت إلى مأزق انعكس عليها جميعاً.

رغم صمود المحور الأول وتقدمه، فإنه يعاني الحصار والدمار واستنزاف موارده في مواجهة التهديدات الوجودية له، كذلك أمر المحور الثاني، الذي ذهب بعيداً في التطبيع العلني والخفي، فلم يحصد سوى تآكل الدور والموارد والنزف المستمر للثروات، بينما ربح المحور الثالث معركته ضد المشروع التركي الإخواني، وكان ثمن الطموح الإردوغاني تآكل الاقتصاد التركي، وانقسام المجتمع حول السياسات التركية الخارجية وآثارها الكارثية في الاقتصاد، إضافة إلى التهديدات الأميركية لأنقرة بعد اعترافها بالإبادة الأرمنية، بغية إعادة ضبط المسارات السياسية لتركيا، وفقاً للاستراتيجية الأميركية.

تتطلَّب المبادرة الروسية التي لاقت صدى إيجابياً لدى كل الأطراف إيجاد التوافق في بيئة إقليمية جديدة، استناداً إلى المصالح المشتركة للجميع، واعتماداً على معادلات القوى الجديدة، بعنوان عودة سوريا إلى موقعها قبل العام 2011.

ينتظر السوريون الَّذين ضاقت بهم أهوال أكبر حرب شهدوها عبر تاريخهم الممتد إلى أكثر من 5 آلاف عام إعادة تركيب الخرائط الجيوسياسية بعد الإفراج عن الاتفاق النووي، كما ينتظرون إدارة سورية متجددة من خارج سياق العقود السابقة تنسجم مع آمالهم وطموحاتهم، وهم يحتاجون إلى كلّ شيء لأجل ذلك.

المصدر: الميادين نت

ADVERTISEMENT

Related Posts

Next Post

Discussion about this post

من منشوراتنا

آخر ما نشرنا