«العين والماء والفخّار» والمعادل النصي في التراث الساحلي السوري

علي الرّاعي:

(العين والماء والفخّار)؛ ثلاثة أبواب جمعتها الباحثة فريال سليمة الشويكي في كتاب بالاسم ذاته مع إضافة تفصيلية أخرى هي (في التراث الساحلي الريفي).. ومن خلال متابعة النتاج البحثي للكاتبة الشويكي؛ تبدو أنها مُتخصصة في هذه الأنواع من الأبحاث, ولاسيما في مجال التوثيق، فما ذهبت إليه أقرب إلى «تجميع» للتراث الشفهي، أو ما أمسى يُطلق عليه (التراث اللامادي) ذلك التراث الذي أصبح اليوم قاب قوسين من الاندثار.. فقد سبق لـ الشويكي أن أصدرت غير كتاب في مجال حفظ التراث, ولاسيما في الشريط الساحلي السوري مثل كتبها: كنوز منسية، الزمن السعيد، والبحر الثالث – تراث الأغاني الريفية الساحلية..

وبالعودة لكتاب (العين والماء والفخار في التراث الساحلي السوري) الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة؛ تقول: إنها جمعت ثلاثة كتب في كتاب، لأن كل باب من تلك الأبواب السابقة التي هي محتوى الكتاب؛ يُشكّل بمفرده كتاباً، ومن وجهة نظري كان على الباحثة الاكتفاء بالفصلين الآخرين لإصدار كتابها، فقد بدا الفصل الأول غير منسجم مع الفصلين الآخرين، فإذا كان ثمة علاقة سرمدية وحميمية بين الفخار والماء؛ فإن «العين» كعضو في جسم الكائن البشري أو سواه لا ينسجم الحديث عنها مع الحديث عن (الماء والفخار) وإن كان التبس عليّ الأمر في البداية، فقد تخيلت من عنوان الكتاب أنها تتحدث عن «عيون الماء» الحديث المنسجم مع حديث الماء والفخار، غير أنه مع مطالعة الكتاب تبيّن أنها تتحدث عن العين كأحد مكونات الجسد الإنساني الجمالية والضرورية..
وبالعودة لمضمون الكتاب؛ فإن الباحثة، وفي كل الأبواب الثلاثة للكتاب؛ اعتمدت على جميع المقولات من شعر وأغانٍ وأمثال وكل ما قيل في هذه «المصطلحات» بما في ذلك الرجوع إلى القواميس.. تجمع كل ذلك بلغةٍ سهلة سلسة في تأكيدها على أهمية كل من (العين والماء والفخار) في حياة الريفي، والذي يؤكد الأمر إنشاء كل هذا المُعادل النصي واللغوي للتعبير عن تلك الأهمية، بحيث صار لهذا الريفي منجزه الإبداعي الشفهي الذي يُصوّر حراك حياته وتطورها وحتى يومياته في أزمنة مختلفة وهو ما يُعطي صورة لواقع مجتمع ريفي سجلته المخيلة الريفية تصويراً بالكلمات من خلال المثل والشعر والأغنية، ومختلف المقولات القصيرة، مقولات تأتي تكثيفاً شديداً وموجزاً وفيها الكثير من إيماض الأدب الوجيز.. بمعنى؛ نحن هنا, إضافة للتعرف على حراك مجتمعي في زمن ما، نقرأ أيضاً ما دونتّه المخيلة الشعبية وحفظته الذاكرة، ومن ثم كان على الباحثة أن توثقه في كتاب..
شيءٌ ما يجمعُ بين «الماء والفخار» وذلك يعود لأزمنة بعيدة وموغلة في قدامتها عندما فكر الإنسان بجمع الماء والاحتفاظ به وتخزينه أول مرة، فكان أن عجن الطين بالماء وأنجز كل تلك الأشكال من الأواني والرقم وحتى «الآلهة» التي شخّصها أو رمّز إليها بمنحوتاتٍ طينية..
فـ«المي أخت الروح» ولم نقرأ في الأسماء الأجنبية بما يشي بالماء كـ«الهتون، ماوية، نهلة، كوثر، غمام، ديمة، سحاب، منهل, مازن، غيث ومطر..» وغير ذلك.. إنها أسماء العرب الذين كثيراً ما عانوا من شح المياه، وحتى اليوم عندما نتذكر الأيام القديمة، نقول «سقى الله أيام زمان» و«سقى الله عند اللاذقية شاطئاً..» بمعنى؛ أهداها.. حتى إنّ مصطلح التعريب – تذكر الباحثة – ويعني الإكثار من شرب العرب، وهو الكثير من الماء الصافي، وبئرٌ عرب: كثيرة الماء، والعربة بالتحريك: النهر الشديد الجريان.. ويوم الجمعة؛ هو يوم العروبة، أي يوم الاغتسال، وربما تُسمى العرب عرباً لانتسابهم إلى يوم العروبة، وفي الكتاب – القرآن, عشرات الآيات التي تتحدث عن الماء بعشرات الصيغ، والماء في الطبيعة واحد، له صفة واحدة، وفعل واحد، وهدف واحد، ولأهميته أسقطت عليه مقولات كثيرة تذكره وتتحدث عنه الباحثة من خلال سطور وأشعار عفوية قديمة قدم التراث نفسه.. ذلك الماء الذي كان منه «كلّ شيءٍ حي».. وفي هذا المجال توثق الباحثة مئات المقولات وتبحث في مجازاتها وصورها على سبيل المثال «ميه صافية متل دمعة الديك» فثمة من يصرّ على أنّ للديك دموعاً صافية، وهو ما يؤكده شعراً أحد الشعراء:
وكأسي مثل عينُ الديك صرفٌ
تُنسي الشاربين لها العقولا
إذا شرب الفتى منها ثلاثاً
بغير الماء حاول أن يطولا
وأحسبهم حين يقولون فلاناً بأنه «دمعة» يعنون بذلك أخلاقه، وطيب معشره، وسهولة التعامل معه، لأنّ صفاته لا يشوبها ما يُعكّر الآخرين، فهو كعين الديك، وقطرة الماء التي تهطل من السماء.. ذلك المطر «اللي بينزل من السماء بتسلقاه الأرض» فالأرض ساحة الماء وحضنه، وهنا يُمسي الماء مجازاً عندما يتحوّل برغم كل رقته وعذوبته إلى ما يُشبه الأقدار والأوامر القاسية على المرء أن يتقبلها ويُسلّم بها.. ومع تلك الرقة للماء، فلا يجب الاستهانة بقوته «نقطة المي؛ بتعلم بالصخر» وربما هنا يُشيرون إلى الكلمة التي لها تأثير ما لقطرة المياه في تكرارها على الصخر ومثابرتها الطويلة لجعله يحن ويرق وربما يتضعضع.. ومثل تلك المقولات تسردها الباحثة الشويكي في الكثير من فصول هذا الباب في مقولات تحذر من هدر الماء، وآداب الشرب، ومقولات العطش، وغيرها الكثير..
أما في باب الفخار؛ فتسترسل الباحثة في المقولات التي رافقت تلك الأواني التي عمرها اليوم آلاف السنين، ولاتزال إلى اليوم هي المُفضلة لدى الريفي من خوابي ودنان الزيت والماء والنبيذ وغير ذلك، وحتى الأواني الصغيرة التي بحجم صحن أو كوز أو جرة..
وهي في تعدادها لأنواع تلك الأواني تسرد أيضاً النصوص الموازية التي قيلت ذات حين كمثل أو أغنية وأزجال، فهذه الجرة التي لا يتعدى طولها الخمسين سنتمتراً لها من المقولات الموازية العشرات: «ما كل مرة بتسلم الجرة، بحصة بتسند جرة، طب الجرة على تما، تطلع البنت لأمّا، أقعد برا، ولا تقعد عند الجرة، الضرة مرة ولو كانت شقفة جرة..»

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *