زيجمونت بومان.. الحداثة من منظور آخر

قليلاً ما نجد كتابة لا تروج للحداثة على أنها خشبة الخلاص للبشرية، برغم أن التنظير الفكري وصل إلى ما بعد الحداثة، ووصل إلى العولمة كتطبيق لهذا التنظير!.
يعد زيجمونت بومان عاملاً مؤثراً في حركة مضادة للعولمة، أو بشكل آخر تغيير العولمة، والتي لم نقرأ عنها شيئاً!!، ربما لأن العالم كله يسير بعربة واحدة لا سبيل إلى إيقافها، وجل ما يمكن أن يُقدم هو غسل اليدين من دم هذا العالم!، وحتى نغسل اليدين لابد من سوائل، والسوائل هي ما تقدمه الحياة الحديثة، أو الحداثة بشكل عام.
«خماسية السيولة» التي تناولها بومان في كتبه (الحداثة السائلة، الحياة السائلة، الحب السائل، الأزمنة السائلة، والخوف السائل)، تأتي محاولة لغسل يديه مما يجري في العالم، أو لهذا العالم، من دون البقاء خارجاً «فليس لشيء أن يبقى خارج النظام لأن مجرد فكرة الوجود في الخارج هي مصدر الخوف نفسه» كما ورد في مقدمة المترجم في كتاب الخوف السائل.
لم يعتن بومان برصِّ صفوف أفكاره، كما ورد في الفصل الأول من كتاب الحب السائل (ما أكثر الأقزام بين الأفكار العملاقة، وهي التي تنسى ضآلتها وسط عظمة الحشود المنتظمة الزاحفة في المعركة) وهو يسوغ ذلك بنفاد الوقت «ما دمت لا أملك وقتاً كافياً لإتمام المهمة، فليس من الحكمة أن أرجئ الحشد والتعبئة لوقت لاحق». هذا الأسلوب يشبه كتابات شارل بودلير الذي كتب ما يمكن تسميته بـ«الشذرات» كل شذرة قائمة بنفسها، ربما يكون أسلوبه هذا هو أحد أسباب الظلم الذي تعرض له بما يمكن تسميته الإغراق.
ظلم الإغراق
نشر بومان ما يقارب السبعة والخمسين كتاباً، لم يذكر منها هذه الخماسية!، وربما كانت هذه الخماسية هي من مقالاته حيث إن لديه أكثر من مئة مقال..
وأغلب كتاباته كانت تحوي مواضيع متشابهة مثل: العولمة، الحداثة وما بعد الحداثة، المادية (الاستهلاكية)، وعن النظام الأخلاقي. وهذا التشابه أدى إلى تفتق الخماسية عن كتب أخرى ككتاب المراقبة السائلة، وكتاب الشر السائل، وكتاب الثقافة السائلة، وهي السلسلة التي شاركت الشبكة العربية للأبحاث والنشر في جناحها بـ«مجموعة السوائل» إضافة إلى الخماسية سابقة الذكر، ضمن فعاليات معرض جامعة الإسكندرية للكتاب بكلية الهندسة العام الفائت، إذ نجد هذا التشابه في الكتب واضحاً، فما أفرد له من فصل كامل «تفكيك الاجتماع البشري» في آخر كتاب الحب السائل، نجده متفرقاً، وأقرب لمواضيع وفصول كتاب «الخوف السائل»، وكتاب الحداثة السائلة ونقدها، نجده منثوراً في طيات هذه الكتب، كما إن الفصل الثاني من كتاب الخوف السائل بعنوان «الخوف والشر» نجده في كتاب من كتب السلسلة التي ذكرت أعلاه!، ما يعني عدم عناية الناشر كذلك برصِّ الصفوف، واعتماد التكرار الذي يوقع القارئ بالإعياء، والعزوف، بما يعرف إعلامياً «بإغراق المعلومة» وهي طريقة حديثة لحجب المعلومة، على أن ذلك لا يعني أن بومان لم يتعرض لظلم «إغلاق المعلومة».
ظلم الإغلاق
تعرض بومان لظلم الإغلاق وحجبه عن الوصول إلى القارئ لعدة أسباب، منها أنه رفض الشيوعية البلشفية، برغم أنه خدم فيها، أثناء الوجود السوفييتي في بولندا، ما يجعل النقد حقاً له، فهو الذي يعرفها من الداخل، ويأتي نقده عن تجربة. والسبب الآخر لظلم الإغلاق، هو معاداته للسامية (التهمة الجاهزة لكل من تسول له نفسه محاربة المشروع الصهيوني العالمي)، إضافة إلى مجموعة من الإشارات التي تصيب لب الأفكار السائدة، والتي يعود أصلها إلى الفكر اليهودي، كما في نقده لسفر أيوب واعتبار هذا السِفر نقطة فاصلة، لنفي فكرة العقاب على أساس العمل فهي «تجربة الابتلاء بالشر من دون ذنب»!، بينما يستشهد بالهولوكوست لنفي اعتماد الشر على النيات، بناء على محاكمة «آيخمان» الضابط النازي (كتاب الخوف السائل ص92).
سلسلة السيولة محاولة لفهم العالم الذي نعيش فيه، والذي صاغت الحداثة تفاصيله، بالغزو العسكري تارة وتغيير الهياكل والأبنية، أو بالغزو الفكري ونشر نمط الاستهلاك، باعتبار أن ما يُقدم هو الجنة الموعودة في الأرض تارة أخرى، ولا يكفي أن نقول إن الوعد لم يتحقق، بل السؤال كيف استطاعت الحداثة الخروج من مأزق الفشل، بل وكيف أدارت فشلها لمصلحتها، وتوزيع المخاوف الكبرى على تفاصيل الحياة اليومية، وإشعار الفرد بأن مواجهة الخوف مهمته هو، بما يحق تسميته «تأميم الخوف».
«زيجمونت بومان» عالم اجتماع بولندي، استقر في إنكلترا منذ العام 1971 بعد ما تم طرده من بولندا من قبل حملة معاداة الساميّة بترتيب من الحكومة الشيوعية. بروفسور علم الاجتماع في جامعة ليدز (ومنذ عام 1990م أستاذ متقاعد)، عُرف باومان بسبب تحليلاته للعلاقة بين الحداثة والهولوكوست، وأيضاً ما يتعلق بالمذهبية المادية (الاستهلاكية) لما بعد الحداثة. انتقد بومان «إسرائيل» بقوله: إن «إسرائيل» لم تكن مهتمة إطلاقًا بالسلام، بل كانت تستخدم الهولوكوست كعذر لشرعنة أفعالها المتوحشة. وشبّه بومان الحاجز الذي تضعه «إسرائيل» في الضفة الغربية مع الجدران التي كانت تضعها النازية في وارسو «غيتو» عندما قتل آلاف اليهود في الهولوكوست.

ADVERTISEMENT

Related Posts

Next Post

Discussion about this post

من منشوراتنا

آخر ما نشرنا