
البلاد -علي فارس
الاقتراض المادي ..ظاهرة اجتاحت مجتمعاتنا حتى باتت تبدو وكأنها “الوضع الافتراضي” للكثيرين لكن، هل هذا الانتشار يعكس حالة صحية؟
بطبع لا، ليس في مجمله يكون الدين صحياً فقط عندما يكون “ديناً إنتاجياً” (كشراء أصل يزداد ثمنه أو تمويل مشروع يدر عائداً). أما ما نراه اليوم من اقتراض استهلاكي مفرط، فهو أبعد ما يكون عن الصحة، بل هو أشبه بمسكن ألم مؤقت، يحل أزمة لحظية ليوقع الفرد في فخ تراكمات مستقبلية أشد وطأة، محولاً إياه إلى أسير في عجلة سداد لا تتوقف.
لماذا أصبح الدين حالة عامة و”مرغوبة”؟
لم ينتشر الاقتراض من فراغ، بل تضافرت عدة عوامل نفسية واقتصادية جعلته يبدو كخيارٍ سهلٍ ومغرٍ، ومن أبرز هذه الأسباب: حمّى المظاهر وثقافة الاستهلاك ،والتضخم واتساع فجوة الدخل و الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة دفع الكثيرين للاقتراض لسد الفجوة بين ما يجنونه وما يحتاجونه.
الأمية المالية:
إن غياب التثقيف المالي في المدارس والجامعات جعل الأفراد يجهلون قوة “الفائدة التراكمية” المدمرة للديون، وكيفية إدارة الميزانية الشخصية و متلازمة “كرة الثلج” حين يصبح الحل هو المشكلة و اللجوء للاستدانة لتغطية نفقات استهلاكية هو وهمٌ مالي ،فهو يعطيك قوة شرائية زائفة اليوم على حساب إرهاق مستقبلك ،هذا الحل المؤقت لفك أزمة آنية سرعان ما يتحول إلى “كرة ثلج” تتدحرج وتكبر مع إضافة الفوائد والرسوم، ليتفاجأ الفرد بأن جزءاً كبيراً من دخله الشهري مخصص فقط لسداد أعباء الماضي، مما يسلبه حريته المالية ويزيد من مستويات التوتر والقلق لديه.
لكسر قيود الديون:
التخلص من عبء الديون ليس سحراً، بل هو قرار يحتاج إلى إرادة وخطة منهجية وهندسة الميزانية يكون بوضع ميزانية شهرية تتبع قاعدة (الاحتياجات، الرغبات، الادخار/السداد) تتبع النفقات بدقة وقطع أي مصاريف غير ضرورية وتوجيهها فوراً لسداد الدين.
الترويض النفسي للرغبات:
قبل أي عملية شراء، طبق “قاعدة الـ 24 ساعة”. انتظر يوماً كاملاً قبل شراء ما ترغب به، ستجد في الغالب أن الرغبة الملحة قد تلاشت وأنها لم تكن حاجة فعلية ،ومهم جداً زيادة مصادر الدخل في بعض الأحيان التقشف وحده لا يكفي ابحث عن مهارات يمكنك استثمارها في عمل حر جانبي
وأخيراً أن الحرية المالية لا تُقاس بما تملكه من أشياء مادية تستعرضها، بل بقدرتك على النوم ليلاً دون قلق من الدائنين ،وكسر دائرة الاقتراض يتطلب وعياً وتضحية مؤقتة، لبناء مستقبل آمن ومستقر حقاً.