جسور و أنفاق في دمشق للديكور فقط.. فهل المشكلة في المشاة أم التصميم؟!

تشرين :

كان في طريقه للحصول على راتبه من أحد المولات، فالفتى ابن الخمسة عشر عاماً يعمل في ورشة تنظيف ضمن مول.
طلب منه والده الذهاب إلى رئيسه في العمل لتسلم الراتب في التاسعة ليلاً، وكالعادة تجنب الفتى استخدام الجسر في منطقة المتحلق الجنوبي، بالتزامن مع مرور سيارة «أودي» سوداء، فحولته في الحال إلى أشلاء متناثرة في المكان، كما جاء في ضبط الشرطة، وهرب سائق السيارة ومن معه.
لا يمضي شهر من دون ضحايا بسبب عبور الأوتسترادات بطريقة غير آمنة ومن جانب نفق أو جسر! أسر تصطحب أولادها وتعرض نفسها للخطر وتغامر بأبنائها وهم يجتازون طرقاً قاتلة، كأوتستراد المزة أو المتحلق الجنوبي، حيث تنطلق السيارات بسرعات عالية لا تتيح للسائق التوقف عندما يفاجأ بوجود أي شخص، ومن الضحايا التي وقعت ضمن وقت قريب أيضاً وفاة يافع وحيد أبويه، قفز من السور وكانت النتيجة سقوطه أمام سيارة صدمته من دون حيلة لسائقها فأردته قتيلاً في الحال. لماذا يتحاشى الناس استخدام الجسور والأنفاق ويعرضون أنفسهم للخطر، برغم وجود الجسور والأنفاق، هل تكمن المشكلة في ثقافة استخدام الطرق، أم إن المشكلة في البدائل التي ترغم الناس على عبور الطرق الخطرة وتجنب استخدام الأنفاق والجسور؟ لماذا يفاضل طلاب وطالبات جامعة بأعمار صغيرة بين عبور الطريق بالقفز فوق الحواجز المرتفعة من دون استخدام الوسائل البديلة؟

مغامرة
أجمعت آراء فتيات كثيرات على أن المغامرة واجتياز الشارع أو الأوتستراد أقل خطورة من استخدام الأنفاق والجسور، فالدخول في النفق تصفه رشا بالمغامرة، وتهرول مسرعة لأن تجتازه وهي ترتعد خوفاً من تعرضها لأي أمر مفاجئ في أنفاق أغلبها مظلم، كما في بعض أنفاق منطقة المزة.
أما نفق نهر عيشة فيصفه معذى بالموحش عند استخدامه من قبل الرجال، فكيف يمكن لفتيات أو نساء أن يستخدمنه؟ ولذا يمكن أن يغامر الناس بحياتهم عند عبور الطريق أكثر من استخدامهم لذاك النفق، وهذا يجعل مرور السيارات في تلك النقطة بمثابة المشكلة الحقيقية، لأن أي عابر سيضطر لتحريك سيارته بالسنتيمترات، وإن جسر المشاة في المنطقة ذاتها أيضاً نادراً ما يستخدمه المارة، لأنه تحول إلى ما يشبه مكب النفايات، برغم أن استخدامه سهل، ويتوافر فيه مكان للدراجات الهوائية والنارية.
عقوبة حقيقية
أما الجسور فحدث عن استخدامها بلا حرج، إذ إن أغلبية المشاة أنهكهم المشي وانتظار المواصلات وحمل الأكياس والأطفال والأوزان الثقيلة، ولم يبقَ فائض من الطاقة لاعتلاء جسور أدراج أكثرها تشعرك بعبء تسلقها، ويكاد يكون استخدامها كما الأعمال الشاقة للمرضى وكبار السن، ومن هم أكثر حيوية ومستخدموها يشتكون ظواهر البسطات والمتسولين الذين يتمركزون في أعلى تلك الجسور، تقول إلين إنها تهرول لتجتاز الجسر بأقل الدقائق، وإن صوت الفراغ تحت أقدامها يشعرها بأنها تسير على سطح غير آمن، في حين كانت مشكلة الروائح المنبعثة من الأدراج التي تستخدم كمراحيض سواء منها التي تؤدي إلى جسور أو أنفاق في الكثير من المناطق يجعل الكثير من المارة يتأففون من استخدامها.
لا حيلة
تختلف الانطباعات والرؤية عند الأشخاص الذين يقودون سياراتهم خاصة على الطرق السريعة من ظاهرة فوضى حركة المشاة، وعدم التقيد باستخدام الجسور والأنفاق. وعند سؤال بعضهم عن هذه الظاهرة صبوا جام غضبهم على الأشخاص الذين يلقون بأرواحهم أمام سياراتهم، يقول محمد: إن الأقدار وحدها حالت بينه وبين إنهاء حياة شخص لفّ سرواله ودفعه إلى فمه وهو يعبر المنصف على طريق المزة أوتستراد في وقت متأخر من الليل، وإنه بقي لدقائق في حالة من الذهول وهو يستعرض ما جرى معه، وكيف أنه تمكن من السيطرة على سيارته ومنع كارثة بدت محتمة له ولأسرة ذاك الرجل الذي يعبر الشارع وهو جانب الجسر.
الأكثر خطورة
يؤكد هذا الكلام رئيس قسم التحقيق في مرور دمشق العقيد عبد الله الخلف ويقول: إن أكثر المناطق التي تحصل عليها الحوادث هي منطقتا المتحلق الجنوبي، واوتستراد المزة، وإنهم سجلوا منذ مدة قريبة وفاة سيدة كانت تعبر المتحلق تحت جسر المشاة، ويؤكد أن عدد الحوادث التي سجلوها ونظمت فيها ضبوط على المتحلق الجنوبي منذ بداية العام وحتى 25 الشهر السادس منه بلغت نحو 44 حادثاً، منهم ثلاثة فارقوا الحياة، وتراوحت إصابات الواحد والأربعين الباقية بين المتوسطة والشديدة، وأكد أن هنالك إصابات خفيفة لا تصلهم ولا تنظم فيها ضبوط.
أضاف العقيد الخلف: إن هنالك 30 حادثاً خلال الفترة ذاتها على أوتستراد المزة بينها حالة وفاة واحدة والبقية إصابات.
وبيَّن العميد الخلف أن إحصاءاتهم سجلت نحو 1843 حادثاً، خلال الفترة ذاتها، من بينها 39 حادثاً تسبب بوفاة 40 شخصاً.
يضيف العميد الخلف: إن عبور طرقات كهذه بطريقة عشوائية أمر في غاية الخطورة، وإن هذا يجب أن يتم إما أمام إشارة المرور، وإما بمساعدة شرطي المرور، أما العبور كيفما يشاء المشاة فمخاطره كبيرة، ويرى أنه لا عذر أمام المشاة لمحاولتهم تجنب استخدام الجسر في منطقة المتحلق الجنوبي مثلاً لأنه خالٍ من الأدراج، ومصمم بطريقة تمكن الفلاحين من اصطحاب حتى حيواناتهم معهم.
دعوهم فوق الأرض
للوزير الأسبق وخبير المواصلات د. فاروق العادلي رأي ينصف المواطنين ويقول: إن المشكلة في الجسور والأنفاق وليست في المشاة الذين يُعرِضون عن استخدامها، ويرى أننا نظلم الناس حين نلزمهم بالصعود إلى جسور المشاة أو الدخول تحت الأرض في أنفاق المشاة، ويرى أن الحل الإنساني هو أن نترك المشاة على وجه الأرض، ونلزم السيارات بالجسور والأنفاق، واليوم في الكثير من مدن العالم يشجعون ثقافة المشي وركوب الدراجات الهوائية.. بمعنى أن تعطى الأفضلية والأولوية للمشاة وحركة المشاة وراحة المشاة. ثم كيف لنا أن نتحدث عن أنفاق وجسور المشاة إذا كنّا اليوم نعاني أصلاً من غياب الأرصفة في معظم أنحاء المدينة، فالأرصفة اليوم إما محفرة أو تتجمع فيها مياه آسنة، أو مشغولة بنفايات الأكشاك التي احتلت الأرصفة من دون أي رقابة أو إلزام باحترام المشاة، أو كيفية تعاطي أصحاب الأكشاك مع نفاياتهم، أو تكون هذه الأرصفة محتلة بالسيارات التي تقف عليها رغم وجود الشاخصات التي تحذر من استخدام الأرصفة لركن السيارات تحت طائلة غرامة بقيمة ٥٠٠٠ ليرة، وهكذا يضطر المشاة إلى السير على «الشوسيه» المخصص لحركة السيارات، ومادام المشاة مضطرين لاستخدام «الشوسيه» والاختلاط مع السيارات والمخاطرة بحياتهم فلا جدوى مقنعة للمشاة أن يصعدوا الجسور أو ينزلوا الأنفاق ماداموا هم طول الوقت تعودوا على (ثقافة التعايش مع السيارات والمخاطرة بحياتهم) .. فهل لنا بعد ذلك أن نلوم المشاة؟ ويرى د. العادلي أن هنالك التزامات حقيقية تترتب على المحافظة والبلديات المعنية ودوائر ترخيص الأكشاك وعلى إدارات وشرطة المرور وعلى الجهات الإعلامية لأخذ دورها في توعية المواطنين والمسؤولين على حد سواء, بمعنى آخر لا يحق لنا إلزام المشاة بجسور وإنفاق المشاة إلا بعد أن تقوم الجهات المعنية بالتزاماتها أولا وإعادة الأرصفة الآمنة والمحترمة للمشاة.
رئيس فرع مرور دمشق العميد خالد الخطيب يؤكد أن تأمين السلامة المرورية يتطلب وجود البيئة التحتية الصحيحة، وأن استخدام جسور المشاة يجب أن يكون بالالتزام الطوعي والإيمان بأن سلامة المشاة باستخدام الجسر، لأنه الوسيلة الأكثر أماناً لفصل حركة المشاة عن السيارات.
يحدد الخطيب أسباب إعراض الناس عن استخدام الجسور بعدة أسباب تنصف الناس عند الحديث عن عدم استخدامهم للجسور ومن بينها:
• ارتفاع جسور المشاة إلى نحو 5 م، وهذا يتطلب عناء شديداً عند الصعود أو النزول خاصة لكبار السن والحوامل وغيرهم.
• معظم جسور المشاة ليست بمواقع الكثافة للمشاة.
• المسافة البعيدة بين الجسور.
وعن كيفية تفعيل استخدام الجسور رأى الخطيب ضرورة أن تكون الأدراج كهربائية ومزودة بوسائل لذوي الإعاقة، وإيجاد محفزات ضمن جسم الجسر تستقطب المواطن( كالبسطات).
وأكد الخطيب أن القانون يفرض عقوبة مالية قيمتها 200 ليرة كعقوبة على عدم تقيد المشاة بالإشارات المرورية الخاصة بهم، أو العبور من غير الأماكن المخصصة لهم، وذلك كما في قانون السير والمركبات لعام 2004 والمعدل عام 2008.
كما الدول المتحضرة
مدير المكتب الصحفي في جمعية الوقاية من حوادث السير على الطرقات بشير الصيطري يقترح أسوة بالدول الأخرى إقامة سلالم كهربائية خاصة بالمعوقين، أو أنفاق ذات مسار مائل تسهل على المعوقين عبور النفق تلقائياً من دون الحاجة لمساعدة الآخرين، وأن تهتم المحافظة باستثمار تلك الأنفاق بشكل يساهم في تحسين خدماتها.
وهذه النقاط بوضعها الحالي غير مريحة للاستخدام والدليل تحريك 3 جسور من أماكنها خلال سنوات الحرب في منطقة جسر فكتوريا، بسبب صعوبة استخدامها، وطول المسافات بينها.
بانتظار الموازنة
مدير هندسة المرور والنقل في محافظة دمشق المهندس ياسر بستوني يؤكد صوابية هذا الرأي وأنه في دمشق 14 جسراً و16 نفقاً، وعن خطة المحافظة للتعامل مع ظاهرة المعوقين والمصابين التي ارتفعت كثيراً بعد الحرب أكد المهندس بستوني أن المحافظة تفكر جدياً بإعادة تنفيذ جسور جديدة للمشاة، وتخطط لتأهيل بعضها وفق مواصفات عالمية، بحيث يتم تأمين أدراج كهربائية للصعود والنزول مع تزويد تلك الجسور بمصاعد كهربائية لذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك من خلال إدراجها في خطة موازنة المحافظة لعام 2020 وبعد التصديق عليها ورصد الاعتمادات المالية اللازمة من الجهات المختصة لتمويل مثل هذه المشاريع.
وعن أسس توزيع الأنفاق والأدراج قال بستوني: إن هذا الأمر يتم وفق ما يلي: عندما تكون غزارة المشاة المستخدمين لتلك الشوارع والطرقات عالية باتجاهين، وعندما تكون سرعات المركبات المستخدمة لتلك الشوارع والطرقات عالية، ولا يتقيد سائقو المركبات بحدود السرعة في تلك الشوارع، برغم وجود كل الشاخصات التحذيرية والمرورية التي تنبه بضرورة التقيد بحدود السرعة فيها، وأيضاً على الاوتسترادات والشوارع غير المحكومة بإشارات ضوئية (المتحلق الجنوبي، اوتستراد العدوي الفيحاء) التي تتطلب تأمين حماية المشاة لعبور تلك الشوارع بالاتجاهين.
كما يتم تشييد جسور المشاة أيضاً عند التقاطعات في المدينة وشوارع المدينة، التي تكون فيها غزارات وكثافة المشاة عالية، وبالتالي فإن الإشارة الخضراء في المستوى السطحي ممرات المشاة عند تلك التقاطعات لا تفي بالغرض لتصريف غزارة المشاة، الأمر الذي يتسبب في عشوائية عبور المشاة بتلك التقاطعات, وبالتالي حدوث اختناقات مرورية كبيرة (تقاطع فيكتوريا، الحجاز، نهاية شارع النصر«الحميدية»…)
لماذا أزيلت؟
وعن أسباب إزالة بعض الجسور قال بستوني: من خلال الدراسة لغزارات المشاة المستخدمين لبعض الجسور في المدينة تبيّن أن بعضها ليس لها أي جدوى فنية وخدمية من وجودها (كجسر المشاة الذي كان قائماً على طريق شكري القوتلي أمام فندق الفورسيزون، حيث لا تتجاوز غزارة المشاة عليه من الطرفين أكثر من 10 أشخاص في الساعة.
أما جسر المشاة الذي كان قائماً على طريق ابن العباس«الفحامة» وبسبب وجود الفعاليات الاقتصادية والتجارية والخدمية، وخاصة محلات بيع قطع السيارات على كامل طول المحور وبالاتجاهين، فإن رواد هذه الفعاليات يقومون بالانتقال المباشر من طرف الشارع أمام المحل إلى الطرف الآخر لمرات عديدة خلال فترات زمنية متقاربة بحثاً عن قطع لسياراتهم من دون التقيد بممرات المشاة أو استخدام جسر المشاة الذي كان قائماً، ومن خلال المتابعة لعدد مستخدمي ذلك الجسر تبين أن الجدوى من وجوده شبه معدومة حيث كان لا يستخدمه إلا العدد القليل جداً من المشاة. وأن العمر الافتراضي لبعض الجسور التي كانت قائمة قد قارب على الانتهاء أو انتهى.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *