بين أوهام الأهمية وأساسيات الاحترام

البلاد – علي فارس

​تُقاس كفاءة المؤسسات ليس فقط بحجم إنتاجيتها، بل بمدى جودة بيئة العمل النفسية التي تجمع موظفيها، فالعمل الجماعي رحلة طويلة نقضي فيها الجزء الأكبر من أوقاتنا، ولن تكون هذه الرحلة مثمرة ولا محتملة إذا غابت عنها أبسط قواعد الاحترام المتبادل.

التطفل والفظاظة :
غير أن بعض بيئات العمل تعاني من سلوكيات فردية مزعجة تحولها إلى مساحات مشحونة بالضغط، وأبرزها التطفل، والفظاظة، ونظرة الاستعلاء التي يعاني منها البعض متخيلين أن أعمالهم هي المحور الوحيد الذي تدور حوله المؤسسة.

​أوهام الأهمية المطلقة وتهميش الآخرين:
من الآفات الإدارية والنفسية الخطيرة أن يتبنى الموظف قناعة مفادها أن “عملي هو الأهم، وعمل غيري مجرد هامش” هذا التفكير المتعالي يتجاهل بديهية مؤسسية بسيطة أن العمل يشبه الساعة الدقيقة فلو تعطل أصغر ترس فيها، لتوقف العداد بأكمله. الاعتقاد بأن الجهد الفردي يلغي قيمة جهود الزملاء الآخرين هو دليل على قصر نظر إداري، فكل قسم وكل وظيفة تمثل حلقة في سلسلة متكاملة لا غنى عنها لنجاح المنظومة.

​انتهاك الخصوصية وغياب آداب المكاتب:
المكتب ليس ملكية عامة مشاعاً لكل عابر، والجلوس في مساحة قريبة لا يمنح أي زميل حق اقتحام المساحة الشخصية أو المهنية للآخرين. يبدأ التطفل غالباً بتصرفات تبدو بسيطة ولكنها بالغة الإزعاج، مثل:
​الدخول إلى المكاتب المفاجئ ودون استئذان، و ​التدخل في طبيعة المهام الخاصة أو تتبع تفاصيل العمل الشخصي للزملاء،و
​فرض الأسئلة غير الضرورية أو مقاطعة تركيز الآخرين بأحاديث جانبية طوال ساعات الدوام.
هذه التصرفات لا تعكس حرصاً على العمل، بل تعكس قصوراً في تقدير مساحات الآخرين

​الفظاظة ليست شجاعة مهنية :
يخلط البعض أحياناً بين الحزم والفظاظة، فيظن أن رفع الصوت، أو الاستخفاف بأسئلة الزملاء، أو الرد بجفاء، يمنحه هيبة إدارية أو يعكس “شخصية قوية”، والحقيقة أن الفظاظة ليست سوى قناع هش يخفي عجزاً في التواصل وضحالة في المهارات الاجتماعية. القوة الحقيقية تكمن في اللباقة، والاحترافية، والقدرة على إدارة ضغوط العمل بابتسامة وهدوء لا يقللان من شأن أحد.

​نحو بيئة عمل صحية لكي يستمر العمل بالشكل السليم وتزدهر الإنتاجية، لا بد من العودة إلى القواعد الأساسية التي تصنع بيئة مريحة ومنتجة، والتي تقوم على
​التقدير المتبادل ،و ​الحدود المهنية الواضحة كإحترام أوقات الآخرين ومساحاتهم الخاصة وعدم تعديها تحت أي ذريعة.

​النجاح الحقيقي في العمل لا يُبنى على أنقاض راحة الزملاء أو التقليل من شأنهم، بل يُشيّد على أساس متين من الاحترام والمحبة والتقدير المتبادل لكل إنسان يضع بصمته بإخلاص.